“الكوتشينج الروحي والوعي: رحلة نحو الذات الحقيقية”

بقلم /مضاوي بنت دهام القويضي
في عالمٍ يتسارع فيه الزمن وتتزايد فيه الضغوط اليومية، يبحث الكثيرون عن معنى أعمق للحياة، وعن طمأنينة داخلية لا تمنحها لهم الإنجازات المادية وحدها. من هنا، برز **الكوتشينج الروحي** كأحد أبرز الاتجاهات الحديثة في مجال التوجيه الشخصي، ليس فقط لتحسين الأداء أو تحقيق الأهداف، بل لاستكشاف الذات، وتنمية الوعي، وبناء علاقة أعمق مع الوجود.
ما هو الكوتشينج الروحي؟
الكوتشينج الروحي (Spiritual Coaching) ليس دعوةً دينية بالمعنى التقليدي، ولا ينتمي إلى عقيدةٍ واحدة. بل هو عملية توجيه تهدف إلى مساعدة الفرد على **الاتصال بجوهره الداخلي**، واستكشاف قيمه الأساسية، وفهم غرض وجوده، وتنمية شعور بالسلام والانسجام مع نفسه ومع العالم من حوله.
ويختلف الكوتشينج الروحي عن الاستشارات النفسية أو العلاج النفسي، إذ لا يركّز على “إصلاح” مشكلة، بل على **النمو والارتقاء** من خلال الوعي الذاتي، والتأمل، والاستماع العميق، وطرح أسئلة وجودية تحفّز على التأمل والتحول.
الوعي: جوهر العملية الروحية
الوعي هو المحور الذي يدور حوله الكوتشينج الروحي. فبدون وعيٍ حقيقي، يبقى الإنسان أسير ردود أفعاله، ومشتتًا بين توقعات الآخرين ورغباته الحقيقية. أما عندما يُنمّي وعيه، يبدأ في تمييز:
– ما ينبع من ذاته الأصيلة،
– وما هو مجرد صدى للبرمجة الاجتماعية أو الخوف أو الحاجة إلى القبول.
من خلال تقنيات مثل التأمل الواعي، الكتابة التأملية، التأملات التخيلية، أو حتى الحوار الهادئ مع الكوتش، يتعلم الفرد أن **يكون حاضرًا** في لحظته، وأن يراقب أفكاره دون أن يُساق بها، وأن يشعر بمشاعره دون أن يُطمر فيها.
كيف يُحدث الكوتشينج الروحي فرقًا؟
1. **إعادة الاتصال بالذات**: في زحام الحياة، ننسى أن نسأل أنفسنا: “من أنا حقًّا؟”، “ما الذي يمنح حياتي معنى؟”. الكوتشينج الروحي يعيد طرح هذه الأسئلة بحبٍّ وفضول.
2. **تحرير الطاقة الداخلية**: كثير من الطاقة تُهدر في القلق، أو محاولة إرضاء الآخرين، أو التشبّث بهويات خارجية. عبر الوعي، يُمكن تحرير هذه الطاقة لتُوجَّه نحو الإبداع، الحب، والخدمة.
3. **التحول من الخوف إلى الحب**: يساعد الكوتش الروحي العميل على التعرّف على أنماط الخوف التي تحكم قراراته، وتحويلها إلى اختيارات قائمة على الحب، الثقة، والقبول.
4. **العيش بانسجام مع القيم**: عندما يعي الإنسان قيمه الروحية — كالرحمة، الصدق، البساطة، أو التواضع — يصبح سلوكه انعكاسًا طبيعيًّا لهذه القيم، لا مجرد أداء اجتماعي.
هل الكوتشينج الروحي مناسب للجميع؟
نعم، بشرط أن يكون لدى الشخص **نية صادقة للاستكشاف**، واستعداد لمواجهة بعض الأسئلة الصعبة. وهو لا يتطلب انتماءً دينيًّا معينًا، بل فقط رغبة في النمو الروحي، وفهم أعمق للحياة.
خاتمة
الكوتشينج الروحي ليس رفاهية، بل ضرورة في زمنٍ فقد فيه الكثيرون بوصلتهم الداخلية. إنه دعوة للعودة إلى الذات، ليس كفرد منفصل، بل كجزء من كلٍّ أكبر. وفي هذه الرحلة، لا يقود الكوتش، بل يسير جنبًا إلى جنب مع العميل، يضيء له الطريق
حين يطلب، ويذكّره دائمًا بأنه يحمل الحكمة في داخله.
كاتبة سعودية



