اليتيم درّة نادرة… يحتضنه الوطن، وتصونه القيم، ويصنع مستقبله الوعي

بقلم الكاتبة: د. وسيلة محمود الحلبي
في عالمٍ يعلو فيه الضجيج، يبقى اليتيم الصوت الأصدق الذي لا يصرخ، والوجع الأنقى الذي لا يشتكي. هو ليس حالة اجتماعية عابرة، ولا رقمًا في سجل الإعانات، بل دُرّة نادرة وُلدت لتلمع، إن وُجدت اليد التي تعرف كيف تحتضنها، والعقل الذي يؤمن بقيمتها، والمجتمع الذي يعي مسؤوليته تجاهها.
اليتيم لا يحتاج شفقة، بل احتضانًا واعيًا. لا ينتظر صدقة، بل فرصة عادلة. ولا يطلب دموعًا، بل أملًا حقيقيًا يُترجم إلى تعليم، وتمكين، وحماية نفسية واجتماعية. فكم من يتيمٍ غيّر وجه التاريخ، وكم من عبقري خرج من رحم الحرمان، لأن أحدهم آمن به في اللحظة الفارقة.
إن أخطر ما قد يواجه اليتيم ليس فقدان الأب أو الأم فحسب، بل فقدان الشعور بالأمان والانتماء. هنا يأتي دور المجتمع، حين يتحول من متفرّج متعاطف إلى شريك مسؤول. فاحتضان اليتيم ليس حكرًا على أسرة واحدة، بل مسؤولية وطن كامل، يبدأ من الأسرة الحاضنة، ويمتد إلى المدرسة، والمؤسسة، والإعلام، وصنّاع القرار.
وحين نتحدث عن الاحتضان، فنحن لا نعني السقف والطعام فقط، بل احتضان الكرامة، وحماية الهوية، وبناء الثقة. نحتاج أن نعلّم اليتيم أنه قادر، وأن ماضيه ليس وصمة، بل حكاية قوة. وأن ظروفه الخاصة ليست نقصًا، بل اختبارًا تجاوزَه بإرادته ودعم من آمنوا به.
إن الاستثمار الحقيقي في الأيتام هو استثمار في مستقبل الوطن. فكل يتيم مُكَّن، هو طاقة منتجة، وقصة نجاح، ونقطة نور في طريق التنمية. وكل يتيم أُهمل، هو خسارة إنسانية قبل أن تكون اجتماعية. ولهذا، فإن الجمعيات المتخصصة، والمبادرات النوعية، ليست أعمالًا خيرية موسمية، بل ركائز تنموية تصنع الفرق، وتحفظ التوازن، وتعيد للإنسان إنسانيته.
بجرأة أقولها:
اليتيم ليس عبئًا… بل فرصة.
فرصة لنثبت أن قيمنا حيّة، وأن إنسانيتنا لا تُختبر بالشعارات، بل بالأفعال. وأن الوطن القوي هو الذي لا يترك أضعف أفراده خلفه، بل يقدّمهم إلى الصفوف الأولى.
اليتيم درّة نادرة…
فإما أن نحتضنها فتصبح جوهرة الوطن،
أو نهملها فنخسر لمعانًا كان يمكن أن يغيّر كل شيء.
سفيرة الإعلام العربي
كاتبة ومستشار اعلامي
مسؤولة الإعلام والنشر بجمعية كيان للأيتام



