عندما تتحول السياحة من شغفٍ مشترك إلى ساحة صراع

بقلم -لمياء المرشد
عندما تكون في مجالك الإعلامي، فأنت معتاد على الصراع، على التحديات، على اختلاف الآراء، وحتى على الاصطدامات الخفية. تتعلم مع الوقت أن تختار الهدوء، أن تسيّر سفينتك بحكمة، لا بمحرك صاخب، بل بشراعٍ يعرف اتجاه الريح.
وهكذا فعلت… حتى رست سفينتك في مرسى السياحة.
دخلت عالم السياحة بشغفٍ صادق، محمّلاً بالحب، بالمعرفة، وبالرغبة في الإضافة، لا الإقصاء. لكنك ما إن تطأ هذا الميدان، حتى تفاجأ بصراعٍ من نوعٍ آخر، صراعٍ أشد ضجيجًا، وأقسى أثرًا.
في السياحة، لا تُقاس المنافسة دائمًا بالجودة، ولا بالإبداع، ولا بحب المكان…
بل أحيانًا تُدار بعقلية: “هذا ملكي”.
هنا، يظن البعض أن المكان باسمه، والتاريخ بسلطته، والجهد حكرٌ عليه وحده.
يظن أن مجرد اقترابك هو تعدٍّ، وأن مبادرتك استفزاز، وأن نجاحك إعلان حرب.
فإن تجرأت، قامت حرب داحس والغبراء؛
هو يملك كل شيء، وأنت ـ في نظره ـ لا تملك حتى حق المحاولة.
المؤلم أن السياحة ليست أرضًا خاصة، ولا ميراثًا شخصيًا،
السياحة وطن، وذاكرة، ومسؤولية مشتركة.
هي مساحة للتكامل لا للإلغاء،
وللتنافس الشريف لا للتسلّط.
المنافسة الحقيقية في السياحة لا تقوم على إسقاط الآخرين،
بل على رفع مستوى التجربة،
ولا تقوم على التخويف،
بل على الاحتراف.
أما عقلية “أنا الأصل وأنت دخيل”،
فهي لا تحمي المكان… بل تخنقه،
ولا تحافظ على السياحة… بل تُفرغها من روحها.
ومن المؤسف أن يُحارب الشغف،
وأن يُقصى الصادق،
وأن يُتهم المجتهد فقط لأنه اختار أن يعمل بصمت،
وبشراعٍ نظيف،
دون ضجيج، ودون ادعاء.
ستبقى السياحة أوسع من أن تُختزل في اسم،
وأكبر من أن تُدار بعقلية التسلّط.
وسيظل المكان يتسع للجميع،
ما دام الهدف واحدًا: خدمة الوطن، واحترام الإنسان، وحب الأرض.



