مرافئ الرحمة: حين يغدو “التبسي” مائدةً على الأرض

بقلم : ديمة الشريف
في صخبِ الحياةِ التي تلهثُ خلفَ سرابِ المادة، وبين جدرانِ البيوتِ التي قد تضيقُ أحياناً بضجيجِ ساكنيها، تبرزُ لفتةٌ إنسانيةٌ بسيطةٌ في مظهرها، باذخةٌ في جوهرها، نطلقُ عليها “أدبُ العطاء”.
إنها تلك الثقافة التي تحولُ فضلاتِ الطعامِ لطعام للطيور بقايا الرز والخبز ، وكاساتِ الماءِ الباردةِ إلى برودٍ في اليقين، والتباسي البلاستيكيةِ المهملةِ إلى موائدَ للكرامةِ تُبسطُ على قارعةِ الطريق.
فلسفةُ الجودِ في تفاصيلِ اليوم
حين تخرجُ بجرةِ ماءٍ باردةٍ في هجيرِ الصيف، أو تحملُ وعاءً دافئاً في زمهريرِ الشتاءِ لتضعه في يدِ عاملٍ أرهقه التعب، فأنت لا تُسكنُ جوعهُ فحسب، بل “تُطعمُ روحهُ” شعوراً بالأمانِ والتقدير.
إن هؤلاءِ العمالَ الذين يمرون ببيوتنا كأنهم عابرو سبيل، هم في الحقيقةِ شركاءُ في بناءِ حياتنا؛ وعطاؤُك لهم هو اعترافٌ نبيلٌ بجهدهم، وترجمةٌ عمليةٌ لقولِ النبوة: “ارحموا من في الأرضِ يرحمكم من في السماء”.
إكرامُ القليل.. من الهدرِ إلى البركة
إن تحويلَ “الطعامِ الزائد” من عبءٍ يُلقى في سلالِ المهملاتِ إلى “نُزلٍ” يُقدم بكرامة، هو ذروةُ الذوقِ الأدبي.
فالمؤمنُ لا يرى في الفائضِ فضلة، بل يراهُ أمانةً وُضعت بين يديهِ لتصلَ إلى مستحقها. وعندما يُرتبُ هذا الرزُ والخبزُ فوق “تبسي” نظيف، ويُوضعُ بوقارٍ بجوارِ سلةِ النفاياتِ للطيور العابرة من ذلك المكان كل صباح باحثة عن طعام لها أو فوقَ براداتِ الماء، يتحولُ من “سدِّ جوعٍ” إلى “جبرِ خاطر”، والجبرُ أعظمُ رتبِ العطاء.
إن وضعَ المشروباتِ الساخنةِ في الشتاءِ فوق تلك التباسي، هو لمسةُ حنانٍ تُخففُ صقيعَ الغربةِ عن قلوبِ العاملين.
مدرسةُ العائلةِ والقدوةُ الصامتة
هذه المبادراتُ هي بمثابةِ “مدرسةٍ أخلاقيةٍ” صامتةٍ داخل كل بيت. فحين يرى الأبناءُ والديهم يعتنون ببرادِ الماء، ويحرصون على ترتيبِ “تبسي الطعام” بكرامةٍ لمن يمرُّ بالشارع، فإنهم يتعلمون معاني التكافلِ دون خطبٍ منبرية. يتعلمون أن المجتمعَ جسدٌ واحد، وأن البركةَ لا تحلُّ في مالٍ ما لم يُزكَّ بفيضٍ من الرحمةِ والإحسان.
دعوةٌ للمحبةِ الممتدة
ليكن بيتك “منارةً للخير”، لا تنطفئُ شعلتها بتغيرِ الفصول. في الصيفِ كن سحابةً باردةً تروي الظمأ، وفي الشتاءِ كن حضناً دافئاً يطردُ البرد. تذكر أن “التمرة” التي تعطيها بصدق، و”كوبَ الماء” الذي تسقيه بوفاء، و”التبسي” الذي ترتبهُ بكرامة، قد تكون هي المنجيةُ يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون. فبارك الله في تلك الأكفِّ التي تمتدُ بالخير، وفي تلك النفوسِ التي تنفضُ الغبارَ عن مصاحفها وعن قلوبها، فلا تنسى “وجوهَ الخير” العاملةَ بصمتٍ أمام أبوابنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى