ذي الحجة… حين تتوضأ الأرواح

بقلم : حنان حسن الخناني
ذو الحجة ليس شهرًا يمرّ على التقويم ثم ينطفئ، بل نافذة سماوية تُفتح للقلوب المتعبة، فتدخل منها الطمأنينة كما يدخل الفجر إلى عتمة النوافذ.
هو الشهر الذي تتخفف فيه الأرواح من ضجيج العالم، وتميل نحو الله كغصنٍ عطشان مال إلى المطر.
في ذي الحجة تبدو الأرض أكثر قربًا من السماء، وكأن الأيام ترتدي ثوبًا أبيض من السكينة.
تهبّ النفحات الإيمانية رقيقةً على القلوب،
فتوقظ فيها ما أرهقته الحياة، وتعيد للروح ملامحها الأولى؛ نقيةً، خاشعة، وممتلئة بالرجاء.
وحين تُقبل العشر الأوائل، يُولد في الزمن معنى مختلف للبركة.
أيامٌ ليست كغيرها، تتسع فيها أبواب الرحمة، ويصبح للعمل الصالح مذاقٌ آخر، كأن الحسنات تنمو فيها أسرع من الضوء.
فيها يكثر الذكر، ويعلو الدعاء، وتلين القلوب التي أرهقتها القسوة، فيشعر الإنسان أن الله أقرب من كل المسافات.
وفي يوم عرفة
تبلغ الروح ذروة صفائها؛ يومٌ تتساقط فيه الذنوب عن الأرواح كما تتساقط أوراق الخريف اليابسة.
يقف الحجاج على صعيد عرفة بثيابٍ بيضاء تشبه الأكفان، فلا يبقى بين الإنسان وربه سوى الدعاء والدموع واليقين.
أما البعيد عن الحج، فيقف بقلبه هناك، يرفع أمنياته إلى السماء، ويرجو أن يصله شيء من ذلك النور الممتد فوق الجبال والجموع.
ثم يأتي عيد الأضحى ، لا كعيدٍ عابر، بل كرسالة حبٍّ إلهية تقول للناس إن الفرح عبادة أيضًا.
تتعالى التكبيرات فتغسل الحزن من الأرواح، وتُذبح الأضاحي فتزهر معاني العطاء، وتلتقي العائلات حول دفء المحبة، كأن العالم يعود أكثر إنسانية في تلك الأيام.
ذي الحجة ليس شهرًا للعبادات فقط، بل موسمٌ لترميم الداخل الإنساني.
فيه يتعلم المرء أن القلب إذا اقترب من الله اتسعت فيه الحياة، وأن الطمأنينة ليست مكانًا نذهب إليه، بل نورًا يسكننا حين نصدق العودة إلى الله.
وما أجمل أن ينتهي هذا الشهر وقد تبدلت أرواحنا قليلًا؛
أن نصبح أكثر صفاءً، وأكثر رحمة، وأكثر قدرة على احتمال العالم… لأننا مررنا من بوابة ذي الحجة، ولامسنا شيئًا من نور السماء.



