في يوم عرفة.. حين تتجرد الأرواح وتتكامل جهود العطاء

بقلم/ عفاف المهيزع
في يوم عرفة، تتوارى المظاهر وتصمت لغة الصخب الدنيوي، لتدخل النفوس في حالة من السكينة تبدو معها وكأن القلوب تُبعث من جديد. ليس هذا اليوم العظيم مجرد محطة زمنية للدعاء، بل هو التوقيت الاستثنائي الذي تتجرد فيه الأرواح من ضجيج الحياة، وتتجه بكل ما تحمله من رجاء وانكسار نحو السماء.
وعلى امتداد هذا اليوم المبارك، يقل تبادل الكلمات العادية بين الناس، ليحل محلها أرقى أنواع التواصل الإنساني: تبادل الدعوات الصادقة. هنا تتدفق المشاعر العفوية بلا تكلّف؛ دعوة تنبثق من قلب أم، ودمعة رجاء من عين أب، ورسالة مخلصة من صديق وفيّ، وذكرٌ خفيّ لشخص نحبه نخصّه باسمه في سجود طويل. وكأن الله يفتح للقلوب في هذه الساعات أبوابًا للقبول لا تُفتح في غيرها، فتلين النفوس مهما بلغت قسوتها أو أثقلتها هموم الحياة.
وفي مقابل هذا التدفق الروحي النقي، يقف العالم شاهدًا على ملحمة كبرى من البذل، تقودها المملكة العربية السعودية بكل قطاعاتها؛ لتترجم شرف الخدمة إلى واقع ملموس. فخلف هذا الهدوء والسكينة التي يلوذ بها ضيوف الرحمن، منظومة متكاملة تسهر على أمنهم، ورعاية صحية فائقة تحيطهم، وإدارة حشود احترافية تسهل تدفقهم بين المشاعر بمرونة تبهر الأبصار، لتثبت المملكة عامًا بعد عام كفاءتها الاستثنائية في إدارة هذا التجمع البشري الأكبر بقلب نابض بالعطاء والترحاب.
وتتجلى عظمة هذا المشهد حين تلتحم أصوات الحجيج، وتلهج الحناجر بنداء واحد: “يا رب…”. على أعتاب هذا النداء، تذوب الفوارق وتتلاشى العناوين؛ فيقف الغني والفقير، والقوي والمنكسر، والمذنب والتائب، كلهم في صف واحد، يطرقون باب الرحمة الإلهية بذات الرجاء، ويستظلون بوعود المغفرة الواسعة، تحرسهم عيون مخلصة من أبناء هذا الوطن المعطاء الذين نذروا أنفسهم لخدمة بيته العتيق.
إننا في عرفة ندرك يقينًا أن أجمل الهدايا وأثمنها ليست مالاً يُعطى بل هي دعوة صادقة يحملها لك قلب محب في ظهر الغيب، وفي ساعة إجابة. هناك مشاعر عظيمة في هذا اليوم لا تتسع لها الحروف، لكن العين تفضحها بدموعها، والقلب يشعر بدفئها، والسماء وحدها تحفظها وتستجيب لها.
ونحن إذ نعيش نفحات هذا اليوم المبارك، نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا وإياكم دعواتٍ لا تُرد، وقلوبًا مطمئنة، وأقدارًا جميلة، وأن يجزي المملكة وقيادتها وأبناءها خير الجزاء على ما يقدمونه للإسلام والمسلمين، وأن يجعل لنا من كل رحمة بابًا، ومن كل أمنية تحقيقًا.



