حوار مع باحثة تؤمن بأن العربية مشروع وعي لا منهج فقط

حوار الكاتبة :نورة السالم
في هذا الحوار نسلط الضوء على تجربة باحثة أكاديمية وتربوية جمعت بين اللسانيات والممارسة التعليمية وقدّمت نموذجًا مهنيًا يربط بين التأصيل العلمي وتطوير تعليم اللغة العربية في السياقين التونسي والسعودي نقترب معها من رؤيتها خبراتها وتصوراتها لمستقبل العربية باحثة آمنت بأن العربية ليست مادة تُدرس فحسب بل وعيٌ يُبنى وهويةٌ تُصان وإبداعٌ يُستثمر لقاءنا الصحفي مع الأستاذة إسراء بو نوارة.
١/ كيف تصفين رحلتك العلمية منذ بداياتك في تونس حتى وصولك إلى الإشراف والتدريب في المملكة العربية السعودية؟
أصفُ رحلتي العلمية بأنَّها رحلةُ شغفٍ باللغة العربية قادتني من قاعات الدراسة إلى ميادين الإشراف والتدريب. بدأتُ معلِّمةً وباحثةً تؤمن بأنَّ اللغة ليست وسيلةَ تواصلٍ فحسب، بل أداةٌ لبناء الفكر وصناعة الوعي، ثمَّ عمَّقتُ هذا الشغف من خلال تخصُّصي في اللسانيات، الذي منحني رؤيةً أوسع لتعليم العربية وتعلُّمها. واليوم أرى أنَّ كلَّ محطةٍ في هذه الرحلة أضافت إلى خبرتي بُعدًا جديدًا، وجعلتني أكثر إيمانًا بأنَّ الاستثمار الحقيقي يبدأ من المعلّم وينعكس على الأجيال.
٢/ ما الذي دفعكِ لاختيار اللسانيات مجالًا لبحث الماجستير وكيف أثَّر هذا التخصُّص في رؤيتك لتعليم العربية؟
اخترتُ اللّسانيات لأنَّها العلم الذي يقترب من اللّغة بوصفها نظامًا حيًّا يخضع لقوانين دقيقة، لا بوصفها مجموعةً من القواعد الجامدة. وقد منحتني اللسانيات أدواتٍ لفهم كيف يكتسب المتعلِّم اللغة، وكيف يفكِّر من خلالها، وكيف تتشكَّل الأخطاء اللغوية وتُعالَج. لذلك أصبحتُ أنظر إلى تعليم العربية باعتباره عمليَّة بناء للكفاية اللغوية والتواصلية، لا مجرَّد حفظٍ للمعلومات والقواعد.
٣/ كيف توفِّقين بين التأصيل الأكاديمي وبين متطلَّبات الواقع التربوي داخل الصف؟
أؤمن بأنَّ المعرفة الأكاديمية تفقد قيمتها إذا بقيت حبيسة الكتب، كما أنَّ الممارسة الصفية تفتقر إلى العمق إذا انفصلت عن البحث العلمي. لذلك أحرص على تحويل المفاهيم النظرية إلى استراتيجياتٍ تعليمية قابلة للتطبيق، بحيث يصبح الصفُّ مختبرًا تربويًّا تتفاعل فيه النظرية مع الواقع، ويستفيد فيه المتعلِّم من أفضل ما توصَّلت إليه الدراسات الحديثة.
٤/ ما أبرز التحدِّيات التي تواجه تعليم اللغة العربية في السياق السعودي وكيف يمكن تجاوزها؟
من أبرز التحدِّيات وجود فجوةٍ أحيانًا بين اللغة التي يتلقَّاها الطالب داخل المدرسة واللغة التي يستخدمها في حياته اليومية، إضافةً إلى تأثير الوسائط الرقمية السريعة على جودة التعبير اللغوي. ويمكن تجاوز هذه التحدِّيات من خلال جعل العربية لغةً للحياة لا للمقرَّر فقط، وربطها بالتقنية والقراءة والإنتاج الإبداعي، مع التركيز على تنمية مهارات التواصل الحقيقي باللّغة.
٥/ كيف تنظرين إلى تحديث الممارسات التعليمية في تدريس العربية وما الأدوات التي ترينها الأكثر فاعلية؟
التحديث ضرورةٌ تربوية وليس ترفًا. وأرى أنَّ أكثر الأدوات فاعليةً هي التعلُّم النشط، والتعلُّم القائم على المشروعات، والتقنيات الرقمية التفاعلية، واستراتيجيات التفكير الناقد والإبداعي. فالمتعلِّم اليوم يحتاج إلى أن يشارك في بناء المعرفة لا أن يكون متلقِّيًا سلبيًّا لها.
٦/ما المهارات اللغوية التي ترين أنها الأكثر حاجة لدى الطلاب اليوم؟
أرى أن الطالب اليوم يحتاج قبل كل شيء إلى أن يتقن القراءة بوصفها فهمًا عميقًا لا مجرد تمرير للنص، وأن يمتلك قدرة على التعبير الكتابي الإبداعي الذي يترجم فكره ويُبرز شخصيته. كما تبرز أهمية مهارات التحدث بطلاقة وثقة، بما يجعل اللغة وسيلة حقيقية للتواصل والتأثير، إلى جانب تنمية التفكير النقدي المرتبط باللغة، حيث تصبح الكلمة أداة للفهم والتحليل وبناء الموقف لا مجرد وسيلة للتلقي.
٧/ ما أثر انتقالك بين بيئتين تربويتين؛ تونس والسعودية، على خبرتك وفلسفتك التعليمية؟
أكسبتني هذه التجربة رؤيةً أوسع وأكثر نضجًا. فقد تعلَّمتُ أنَّ التعليم رسالةٌ إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية، وأنَّ نجاح المعلِّم يكمن في قدرته على فهم خصوصية كلِّ بيئة مع المحافظة على الثوابت التربوية واللغوية.
٨/ كيف ترين مستقبل تعليم العربية في ظلِّ التحوُّلات الرقمية والمناهج الحديثة؟
أرى أن مستقبل تعلّم اللغة العربية يتجه نحو فضاء أكثر مرونة وتفاعلية بفضل التحوّلات الرقمية وتطوير المناهج الحديثة، حيث لم تعد اللغة محصورة في الكتاب المدرسي، بل أصبحت تجربة تعلّم متعددة الوسائط.
ويكمن التحدّي في حسن توظيف هذه الأدوات بما يحافظ على جوهر اللغة وهويتها، ويجعلها وسيلة للفكر والإبداع.
٩/ كيف تصفين علاقتك بالكتابة ودورها في مسارك الأكاديمي والتربوي؟
الكتابة بالنسبة إليَّ ليست وسيلةَ تعبيرٍ فحسب، بل مساحةُ تفكيرٍ وتأمُّلٍ وإبداع. هي الجسر الذي تعبر عليه الأفكار من عالمها المجرَّد إلى واقعٍ يمكن للآخرين أن يتفاعلوا معه. وكلُّ مرحلةٍ من مسيرتي كانت الكتابة شاهدةً عليها ورفيقةً لها.
١٠/ ما رسالتك لمعلِّمي ومعلمات اللغة العربية؟
أقول لهم: أنتم حرَّاس اللغة وحَمَلَةُ رسالتها. لا تكتفوا بتعليم الكلمات، بل ازرعوا في نفوس طلابكم محبَّة العربية، واجعلوا منها نافذةً للفكر والجمال والهويَّة. فالأثر الذي تصنعونه اليوم سيبقى حاضرًا في ذاكرة الأجيال طويلًا.
١١/ ما أبرز إنجازاتك المهنية التي تشعرين أنها شكلت علامة فارقة في مسيرتك؟
أعتزّ كثيرًا بفوزي بمبادرة «الملهم التربوي» ضمن المراتب الأولى، إذ شكّل هذا الإنجاز علامة فارقة في مسيرتي، لأنه منحني إحساسًا حقيقيًا بقيمة ما أقدّمه داخل الميدان التربوي، وأكد لي أن جهودي ليست مجرد محاولات فردية، بل يمكن أن تتحول إلى أثر واضح ينعكس على المتعلمين.
١٢ /كلمة لمجموعة الغد الإعلامية وللكاتبة والصحفية نورة السالم
شكرًا لمجموعة الغد الإعلامية على هذا اللقاء الذي منح للكلمة قيمتها، وللتجربة معناها.
وكل التقدير للكاتبة والصحفية الأستاذة نورة سالم على هذا الحوار الذي تميّز بعمق الطرح ورهافة الصياغة، وأحسن الإصغاء للتجربة وإبرازها بصورة راقية ومُلهمة.
كما أثمّن هذا الحوار الصحفيّ الذي يفتح نافذة على التجارب التربوية ويمنحها صوتًا يستحق أن يُسمع.



