رحلة علاجية إلى ألمانيا

الإعلامي : معلا السلمي

ليست كل الرحلات تبدأ بحلم فبعض الرحلات تبدأ بألم هناك من يحزم حقائبه شوقًا لاكتشاف مدينة جديدة وهناك من يحمل حقيبته وقلبه مثقل بالخوف والقلق متجهًا إلى أرض لا يريدها فقط لأن القدر اختار له ذلك الطريق الرحلة العلاجية ليست سفرًا عاديًا بل اختبار طويل للمشاعر والصبر والقوة
حين تكون وجهة سفرك إلى ألمانيا للعلاج فأنت لا تسافر برغبتك ولا تخطط للرحلة كما يخطط المسافرون للعطلات بل تجبرك الظروف على الرحيل تغادر وطنك وأهلك وأصدقاءك وأماكنك المعتادة وأنت تحمل في داخلك ألف سؤال وسؤال ماذا ينتظرني هناك وهل سأعود كما كنت وهل سيكون الغد أفضل من اليوم او تنتهي بي الحياه خارج وطني الذي اعشق ترابه وحبه يجري في دمي وبعيد عن اهلي وأحبتي وأقربائي.
في المطار تبدو الوجوه مزدحمة بالحياة بينما أنت تحمل عالمًا آخر بداخلك تسمع أصوات المسافرين وضحكاتهم وأحاديثهم عن السياحة والتسوق بينما تفكر أنت في المستشفى والمواعيد والتقارير الطبية والنتائج التي قد تغير حياتك كلها تشعر بأنك غريب حتى وأنت بين الناس وكأن الرحلة لا تخص أحدًا غيرك
وعندما تصل إلى ألمانيا تبهرك دقة الحياة ونظامها وهدوء شوارعها لكن كل ذلك لا يعني شيئًا أمام شعور الغربة فالإنسان عندما يكون متعبًا لا يبحث عن جمال المدن بقدر بحثه عن الطمأنينة تصبح المستشفيات جزءًا من يومك والمواعيد الطبية هي محطاتك الأساسية واللغة المختلفة تزيد إحساسك بالوحدة رغم وجود الناس حولك
في الرحلات العلاجية يتغير معنى الوقت الأيام تمر ببطء شديد والانتظار يصبح مرهقًا أكثر من المرض نفسه تنتظر نتيجة فحص أو موعد طبيب أو كلمة تطمن قلبك .
أحيانًا تشعر بالقوة وتؤمن أن القادم أجمل وأحيانًا تنهكك التفاصيل الصغيرة فتسقط معنويًا دون أن يشعر بك أحد
لكن أكثر ما كان يؤلمني في هذه الرحلة لم يكن المرض ولا المستشفيات ولا طول الانتظار بل البعد عن أولئك الذين أحبهم من أعماق قلبي أولئك الذين إذا ضاقت بي الدنيا اتسعت بوجودهم وإذا انكسرت روحي جبرتها كلماتهم وإذا أثقلني التعب خففوه بحبهم وصدق مشاعرهم اشتقت لهم اشتياقًا يفوق الوصف ويتجاوز حدود الكلام اشتقت لهم حتى أصبحت أبحث عنهم في كل شيء في وجوه المارة وفي أصوات الهواتف وفي تفاصيل الأيام الطويلة اشتقت لمن كانوا بلسمًا لكل جرح أصابني ودواءً لكل ألم سكن روحي وسندًا أستند إليه كلما أثقلتني الحياة بأوجاعها
كم تمنيت في لحظات ضعفي أن أرى وجوههم أمامي وأن أشعر بقربهم وأن أسمع أصواتهم وهي تطمئن قلبي كما كانت تفعل دائمًا فهناك أوجاع لا يخففها دواء ولا يعالجها طبيب وإنما يخففها وجود من نحبهم بالقرب منا اشتقت لأحبابي الذين كانت ضحكاتهم تزرع الحياة في داخلي وكانت كلماتهم تمنحني القوة حين أضعف والأمل حين يتسلل اليأس إلى قلبي اشتقت لمن أحببتهم بصدق حتى أصبحوا جزءًا من روحي وجزءًا من نبضي وجزءًا من كل دعاء أرفعه إلى السماء
وفي ليالي الغربة الطويلة كنت أغمض عيني وأتخيل أن المسافات قد اختفت وأنني بينهم أستمد من قربهم الطمأنينة ومن حديثهم السكينة ومن محبتهم القوة على مواجهة ما أمر به كنت أشتاق لهم بطريقة موجعة لا يعرفها إلا من أبعدته الظروف عمن يحب الاشتياق يجعل القلب يفتقد حتى أبسط التفاصيل ويجعل الذكريات تتحول إلى وطن مؤقت يسكنه الإنسان كلما اشتدت عليه الغربة
أصعب ما في الرحلة ليس العلاج وحده بل الاشتياق لصوت الأم وللرائحة في المنزل وجلسات الأصدقاء والأحبة ولأبسط الأشياء التي كنت اراها عادية قبل السفر تكتشف هناك أن الوطن ليس مجرد مكان بل شعور بالأمان لا يمكن تعويضه وأن الإنسان مهما رأى من مدن جميلة يبقى قلبه متعلقًا بالمكان الذي يشعر فيه بأنه ينتمي له
لقد أدركت أن بعض الأشخاص لا يمكن أن تعوضهم الدنيا كلها وأن وجودهم في حياتنا ليس أمرًا عابرًا بل نعمة عظيمة لا يشعر الإنسان بقيمتها الحقيقية إلا حين يبتعد عنها هم النور حين تشتد العتمة وهم الدفء حين يشتد البرد وهم الأمان حين تتلاطم أمواج الخوف داخل القلب وهم البلسم الذي يهدئ الجراح والدعاء الذي يسبق الكلمات والمحبة التي تمنح للحياة معناها الحقيقي
ورغم قسوة الرحلة إلا أنها تعلم الإنسان أشياء كثيرة تعلمه الصبر الحقيقي وتكشف له قيمة الصحة وتجعله يرى الحياة بمنظور مختلف يتغير داخله شيء كبير فيصبح أكثر تقديرًا للحظات البسيطة وأكثر فهمًا لمعاناة الآخرين فالمرض ليس مجرد ألم جسدي بل تجربة تعيد تشكيل الروح بالكامل
وما زلت أنتظر اليوم الذي أعود فيه إليهم لأخبرهم أن شوقي لهم كان أكبر من أن تحمله الرسائل وأعمق من أن تصفه الكلمات وأنهم كانوا في كل يوم من أيام الغربة أجمل ما أتمسك به وأصدق دعاء أحمله في قلبي وأغلى ما أشتاق إليه وأن وجودهم في حياتي كان وما زال من أعظم النعم التي أنعم الله بها علي وأن محبتهم كانت القوة التي أعانتني بعد الله على تجاوز الألم ومقاومة الخوف ومواصلة الطريق مهما كان طويلًا وشاقًا
وفي نهاية كل رحلة علاجية يبقى الأمل هو الشيء الوحيد الذي لا يجب أن يسقط لأن الإنسان مهما تعب يبقى متمسكًا بفكرة العودة والشفاء وبدء حياة جديدة بعيدًا عن غرف المستشفيات والمواعيد الثقيلة فالله وحده يعلم حجم المعارك التي يخوضها المريض بصمت ويعلم كم من القوة يحتاجها ليبتسم رغم كل شيء
الرحلة العلاجية إلى ألمانيا قد تكون قاسية لكنها أيضًا رحلة اكتشاف للنفس واختبار للإيمان ودليل على أن الإنسان قادر على مقاومة الألم مهما كان الطريق طويلًا فبعض الرحلات لا نختارها نحن بل تختارنا الحياة لنخرج منها أشخاصًا مختلفين عما كنا عليه وأكثر قوة وصبرًا وإيمانًا وأكثر تقديرًا لكل نعمة كانت حولنا يومًا ما. فالحمد لله دائما وأبدا على كل نعمه انعم بها علينا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى