يحيى بن معدي بن قانص آل خلف البشري.. رجل العفو والتسامح

 

​بقلم ✍️: راشد بن محمد الفعيم

​أحياناً يصيب الإنسانَ مللٌ في طريق الخير، لما يجده من نكرانٍ أو جحودٍ من بعض الناس، لكن تبقى في هذه الحياة مواقفُ إيمانيةٌ نبيلةٌ تبعث في النفوس الأمل، وتُجدد في القلوب حب العطاء، وتُذكرنا بأن الخير لا يضيع عند رب العالمين.

​إن للعفو والصفح منزلةً عظيمةً في ديننا الحنيف؛ فهو ليس مجرد تنازلٍ عن حق، بل هو ارتقاءٌ بالروح إلى مدارج الإحسان، وتجردٌ من حظوظ النفس؛ فالإنسان الذي يملك القدرة على الانتقام ثم يختار العفو لوجه الله، يضرب أروع الأمثلة في الثقة بالله واليقين بموعوده.

​وفي قرارة نفسي، لا أجد مَثلاً يُحتذى به في هذا المضمار كالموقف النبيل الذي سطره يحيى بن معدي بن قانص آل خلف البشري. إن ما قدمه “أبو بندر” -جزاه الله خير الجزاء- يُسجل بمدادٍ من ذهب؛ حيث قَصَد منزل قاتل ابنه مُعلناً العفو عنه دون قيدٍ أو شرط.

​لقد ضرب “أبو بندر” نموذجاً فريداً في زمنٍ طغت فيه المادة على القيم؛ حيث جرت العادة في مثل هذه القضايا أن تُطلب ديّات خيالية ومبالغ طائلة تصل إلى 50 مليوناً، و60 مليوناً، بل وحتى 70 مليون ريال من أجل الإعفاء، فضلاً عن الشروط التعجيزية الأخرى كالجلاء عن الديار. لكن “أبو بندر” ترفّع عن كل هذه الأرقام المغرية، وأعرض عن متاع الدنيا الزائل، مُنتصراً لقيمة العفو النبيلة والصفح الجميل.

​وما فعله “أبو بندر” موقفٌ استثنائي يفيض بالإحسان؛ فقد مَنع أم القاتل من تقبيل قدميه لهول المفاجأة وشدة الفرح بما سمعت من عفو، بل تجاوز ذلك حين بادر هو بتقبيل رأس والد القاتل، ليُشعره بالأمان قائلاً: “لن تُضامي وأبو بندر حي”.

​لقد أثبت “أبو بندر” بفعله هذا أن العفو ليس ضعفاً، بل هو عين العزة والقوة، مصداقاً لقول نبينا الكريم -صلوات الله وسلامه عليه-: “ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً”.

​والعفو والتسامح من أعظم صفات النبل ومكارم الأخلاق، خاصة عندما يقترن بالقدرة على الانتقام. ويُعد يحيى بن قانص “رجل العفو” ورمزاً للقوة والشهامة؛ حيث يترفع عن صغائر الأمور ويؤثر كسب الأجر من الله.

​فجزى الله أبا بندر خير الجزاء، الذي أحيا في نفوسنا قيم التسامح والإحسان. إن هذه القصة المشرفة سيكتبها التاريخ بمدادٍ من نور؛ فكلما ثقُلت على النفس عِبادة الإحسان أو تقاعس الإنسان عن فعل الخير، فليتذكر موقف يحيى بن معدي بن قانص آل خلف البشري، الذي تجرد لله فأعزه الله.

​نسأل الله العلي القدير أن يجزيه خير الجزاء، وأن يحفظه في أهله وماله، وأن يجمعنا وإياه وابنه “بندر” في الفردوس الأعلى من الجنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى