ليس كل حضورٍ وفاء

فاطمة إبراهيم البلوي
ثمة أشخاصٌ لا يستهويهم حمل الأعباء
بقدر ما يستهويهم الظهور عند بداياتها..
يقفون عند المشهد ما دام عامرًا بالأنظار..
فإذا أثقلته الأيام وانفضّ عنه المارّة
تراجعوا في صمتٍ تاركين ما تبقى من التعب على عاتق من لم يختر الحمل أصلًا…
وكم هي موجعة تلك اللحظة التي يكتشف فيها المرء أن بعض الوجوه التي حسبها سندًا..
لم تكن إلا ظلالًا عابرة..
تظهر حيث يكثر الثناء..
وتختفي حيث يبدأ الاستنزاف الحقيقي..
فليس كل اقترابٍ مودة..
ولا كل عونٍ نابعًا من رحمة..
فبعض الأفعال تُصاغ بعنايةٍ لتُرى، لا لتُنجز..
وتُقدَّم للناس في هيئة الوفاء..
بينما حقيقتها لا تتجاوز رغبةً خفية في اقتناص المديح..
هناك من يتقن صناعة الصورة..
حتى ليخيل للناظرين أنه صاحب الفضل كله..
ثم إذا انطفأت الأضواء وأسدل الزمن ستاره..
تبيّن أن الأكتاف التي حملت العبء لم تكن أكتافه.!
وأن الساعات الطويلة من الإرهاق لم تمر عليه..
وأن الوجع الذي أثقل الأرواح لم يطرق بابه كما طرق أبواب الآخرين..
وما أشد مرارة أن يتحول الواجب عند بعض النفوس إلى مناسبةٍ للاستعراض..
وأن تصبح المعاناة سلّمًا يرتقي به البعض نحو كلمات الإعجاب..
يقتربون ما دامت الطريق معبّدة بالثناء..
فإذا اعترضتها المشقة تنحّوا عنها كأن الأمر لم يكن يعنيهم يومًا..
وكأن ما أثقل ظهور الآخرين لا يستحق منهم التفاتة..
لقد علّمتني الأيام أن الضجيج لا يصنع النبل..
وأن الفضائل الحقيقية لا تحتاج إلى شهود..
فالأيادي الصادقة تعمل بصمت..
والقلوب النقية لا تنتظر تصفيقًا..
أما الذين يلهثون خلف المظاهر فإنهم وإن ربحوا إعجاب الناس حينًا..
يخسرون احترام الحقيقة إلى الأبد..
كم من بطولةٍ مزعومة سقطت عند أول اختبار..
وكم من وجوهٍ تزيّنت برداء الشهامة..
فلما اشتدّ الأمر تهاوى عنها القناع..
وبان ما خلفه من خواء..
فالنفوس تُعرف عند مواطن الكلفة لا عند مواطن الراحة…
وتُوزن عند اشتداد المحن لا عند سهولة الادعاء…
وإن من أقسى الخذلان أن ترى العبء يُلقى على من أنهكته الحياة أصلًا…
ثم يُطالَب بالصبر وكأن في قلبه متسعًا لكل هذا الثقل…
أن يحمل فوق تعبه تعبًا آخر..
وفوق ألمه ألمًا جديدًا..
ثم يُترك يصارع الأيام وحده..
بينما يتقاسم الآخرون الثناء الذي لم يدفعوا ثمنه…
غير أن للحقائق عادةً لا تخطئها السنون..
فهي وإن تأخرت لا تغيب..
وما يُخفى خلف ستائر المظاهر تكشفه الأيام تباعًا..
وما يُبنى على التصنع تذروه الرياح عند أول منعطف..
فلا يبقى في الذاكرة إلا أصحاب المواقف الصادقة…
أولئك الذين حملوا ما عجز عنه غيرهم..
وصبروا حيث فرّ الآخرون..
وبذلوا من أعمارهم وراحتهم ما لم يره أحد…
أما الذين اكتفوا بجمع المديح…
وتركوا الأثقال لغيرهم..
فسيكتشفون يومًا أن الأوسمة التي يمنحها الناس زائلة..
وأن القيمة الحقيقية لا تُكتب بما قيل أمام الجموع بل بما فُعل …
حين غاب الجميع..
ولم يبقَ في الميدان إلا الصادقون…



