مبادرات “بر جدة” المجتمعية.. نموذج تنموي للاستثمار في الإنسان وصناعة الأثر المستدام

أعد التقرير: عبد القادر عوض رضوان – جدة
في ظل التحولات التنموية المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية، وتعاظم دور القطاع غير الربحي كشريك رئيس في التنمية الوطنية، تبرز المبادرات المجتمعية بوصفها إحدى أهم الأدوات المؤثرة في صناعة الأثر وتحقيق التنمية المستدامة. ومن هذا المنطلق، واصلت جمعية البر بجدة أداء رسالتها الإنسانية والتنموية عبر حزمة متكاملة من المبادرات النوعية، مستهدفة الأيتام والأسر المحتاجة والمرضى، والعديد من فئات المجتمع الأخرى.. ومُعززةً قيم العطاء والتكافل والمسؤولية المجتمعية.
لم تعد المبادرات المجتمعية تقاس بعدد المستفيدين فحسب، بل بما تحدثه من تغيير إيجابي مستدام في حياة الأفراد والأسر، وهو ما حرصت الجمعية على تحقيقه عبر منظومة متكاملة من البرامج والمبادرات النوعية التي نستعرض في هذا التقرير نماذج منها.
مبادرات نوعية في دور الضيافة
ففي دور الضيافة والرعاية الاجتماعية التي احتضنت فيها الجمعية منذ تأسيسها أكثر من 1100 من الأيتام من الجنسين، مقدمةً لهم منظومة من البرامج المتنوعة التي تساهم في دمجهم في المنظومة المجتمعية وبناء الشخصية المتزنة لليتيم، وتسهم في تحسين جودة حياتهم وبناء مستقبلهم.. برزت العديد من المبادرات النوعية المقدمة لهذه الفئات منها: مبادرة الاستقلال السكني للفتيات التي استفاد منها حتى الآن نحو 16 فتاة، وهي مبادرة تستهدف تمكينهن من الانتقال إلى بيئة سكنية مستقلة وآمنة، مع توفير الدعم الإشرافي والاجتماعي والتمكيني اللازم لبناء حياة مستقرة ومستقلة. هذه المبادرة ساهمت في تعزيز الاعتماد على الذات، ورفع جودة الحياة، وتنمية مهارات الفتيات لإدارة حياتهن اليومية، الى جانب تعزيز الاستقرار النفسي والاجتماعي وإعداد الفتيات للاندماج في المجتمع
ومن مبادرات دور الضيافة: مبادرة التمكين الوظيفي والتأهيل لسوق العمل من خلال تنفيذ برامج تدريب وتأهيل مهني وإرشاد وظيفي بالشراكة مع صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) وشركة مضياف، بهدف رفع جاهزية المستفيدين لسوق العمل. وقد استفاد من هذه المبادرة نحو 35 مستفيداً ومستفيدة تم تمكينهم وظيفياً.
وقد تركت هذه المبادرة أثراً ايجابياً تَجسَّدَ في تحقيق الاستقلال المالى وزيادة فرص التوظيف، وتنمية المهارات المهنية وتعزيز الثقة بالنفس وتحمل المسؤولية.
ومن المبادرات البارزة أيضاً: مبادرة التمكين التعليمي والدعم الأكاديمي من خلال تقديم برامج تعليمية ودروس تقوية ومتابعة أكاديمية للأبناء والفتيات بالشراكة مع جامعة الملك عبد العزيز ومدارس التعليم العام ومعلمي التقوية.
وقد حققت هذه المبادرة التي استفاد منها 65 من الأبناء والفتيات العديد من الآثار الإيجابية منها: تحسين التحصيل الدراسي وخفض التعثر الأكاديمي، وتعزيز الاستمرار في التعليم، ورفع مستوى المهارات العلمية والمعرفية.
كما برزت ضمن منظومة مبادرات دور الضيافة مبادرة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وهي مبادرة تم من خلالها تنفيذ برامج متخصصة في الحاسب الآلي والمهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني لإعداد المستفيدين لوظائف المستقبل.
تركت هذه المبادرة التي استفاد منها 25 ابناً أثراً نوعياً متحققاً تجسّد في تنمية المهارات التقنية وتعزيز الابتكار والإبداع ورفع جاهزية المستفيدين للتحول الرقمي، الى جانب إعداد كوادر وطنية قادرة على المنافسة مستقبلاً. وهناك العديد من المبادرات الأخرى كالمبادرات التطوعية للأبناء والفتيات التي أسهمت في توسيع دائرة المشاركة المجتمعية واستثمار الطاقات الوطنية في خدمة المجتمع، الى جانب حزمة من المبادرات الرياضية والترفيهية التي انعكست على نفسيات الأبناء وساهمت في تحسين أنماطهم العيشية.
الخدمات الاجتماعية: تدريب وتأهيل وتمكين
وفي الخدمات الاجتماعية التي تلامس حاجات الأسر المستفيدة رعت الجمعية أكثر من 35 ألف أسرة وقدمت الكثير من المبادرات الداعمة للأسر من خلال التدريب والتأهيل والتمكين، حيث تم مؤخراً إطلاق 38 مشروعاً صغيراً للمستفيدات، ودعم 8 منهن في التحول الى ريادة الأعمال، كما تم تمكين المستفيدات من الدخول الى 30 منفذ بيع، الى جانب توظيف نحو 48 منهن، وتقديم نحو 51 جلسة استشارية لـ 3374 مستفيدة ومستفيداً، إضافة الى تقديم أكثر من 2054 دورة تدريبية.
وقد قدمت الجمعية العديد من المبادرات للأسر المستفيدة منها: مبادرة “ركن البر” التي تستهدف تمكين الأسر المنتجة عبر احتضان مشاريعها الصغيرة من خلال اتاحة قنوات بيع مستدامة لها داخل المراكز الإدارية وفي مقر الجمعية، وقد بلغ عدد مستفيدي المبادرة نحو 32 مستفيداً.
ومن مبادرات خدمات المستفيدين مبادرة “كوادر البر” لتمكين المستفيدين من خلال إكسابهم المهارات المهنية والشخصية اللازمة لدخول سوق العمل مع ادراج المهارات الرقمية والذكية كعنصر داعم في كل مسار تدريبي مع ربطهم بفرص توظيف فعلية. وقد بلغ عدد المستفيدين من هذه المبادرة 24 مستفيداً.
كما برز ايضاً مبادرة “مداد البر” التي تهدف الى توفير الأجهزة الأساسية للأسر لتحسين أنماطهم المعيشية وقد بلغ عدد المستفيدين 154 مستفيداً.
ساهمت هذه المبادرات التي تم تنفيذها بالتعاون مع الشركاء في تعزيز الاستقرار الاسري وتحسين جودة الحياة وتحفيز المستفيدين للاعتماد على أنفسهم وتمكينهم من الاستقرار المالي.
الرعاية الصحية من أجل مجتمع حيوي
وفي الرعاية الصحية التي تمثل جزءاً محورياً من استراتيجية الجمعية التي تستهدف تعزيز الصحة العامة وتحسين جودة الحياة للمرضى والأسر والأيتام ومختلف فئات المجتمع، واصلت مراكز الغسيل الكلوي التابعة للجمعية: (مركز هشام عطار ومركز عبد الكريم بكر لغسيل الكلى) جهودها الملموسة لخدمة مرضى الغسيل الكلوي حيث تجاوزت عدد جلسات الغسيل 700 ألف جلسة تم تعزيزها بحزمة من الخدمات والتسهيلات المقدمة للمرضى، الى جانب الرعاية النفسية والاجتماعية والتثقيفية التي تساهم في تحسين جودة حياتهم.
وقد قدمت مراكز الغسيل العديد من المبادرات لإثراء خدماتها منها: مبادرة زراعة الكلى التي تم تنفيذ مرحلتها الأولى بالتعاون مع مستشفيات القطاع الصحي الخاص والداعمين. وقد أسهمت هذه المبادرة في تحسين جودة حياة المرضى وتعزيز الاستقرار الاسري، وغرس قيم التكافل الاجتماعي، الى جانب تعزيز السلم الاجتماعي الذي يعتبر أحد مرتكزات المجتمع الحيوي.
كما تم تقديم العديد من المبادرات التوعوية والتثقيفية المجتمعية التي تقوم بها الفرق الطبية التابعة للمراكز لإبراز طرق الوقاية والعلاج والحفاظ على صحة الكلى، وإثراء المعرفة بأبرز الممارسات المعززة للصحة العامة.
“الاستدامة المالية”.. حلقة الوصل
وقد لعبت إدارة الاستدامة المالية دوراً محورياً في إثراء نشاطات وبرامج الجمعية من خلال توسيع دائرة الشركاء المجتمعيين (95 شريكاً)، وتحفيز مؤسسات قطاع الاعمال على الاضطلاع بأدوارها في برامج المسؤولية المجتمعية، والتوسع في نشاطات الأوقاف.
وقد قدمت هذه الإدارة العديد من البرامج والمبادرات التي تعزز الاستدامة في مشاريع الجمعية، منها البرامج الموسمية لرمضان والحج والعيدين، وخدمة ضيوف الرحمن.
وقد حرصت هذه الإدارة على تقديم منظومة من المبادرات التي تستقطب من خلالها رجال الأعمال للالتقاء بأعضاء ومنسوبي ومستفيدي الجمعية، منها مبادرة “ديوانية البر” التي تنظمها الجمعية بشكل دوري، وهو لقاء يحمل بعداً تنموياً معرفياً يتم من خلاله نقل التجارب والخبرات التي تثري ثقافة المهتمين بالعمل الاجتماعي التنموي وتبرز التكامل بين منظمات القطاع غير الربحي وقطاع الاعمال، كما تعزز معرفة مستفيدي الجمعية ومنسوبيها بأبرز الرموز والشخصيات التي صنعت الفرق في معادلة التنمية المستدامة.
وقد امتد أثر الجمعية من خلال مشاركتها باستقبال وتوديع ضيوف الرحمن وتقديم الهدايا لهم، الى جانب مساهمتها من خلال برامج الحج الموسمية (برنامج السقيا وبرنامج وجبة حاج) في خدمتهم، بما يساهم في إثراء تجاربهم وتقديم صورة ناصعة عما تقدمه بلادنا من تسهيلات حتى يؤدوا نسكهم بيسر وطمأنينة، وهو ما يتواكب مع مستهدفات برنامج ضيوف الرحمن أحد أبرز برامج تحقيق رؤية المملكة 2030.
العمل التطوعي: قصة أثر
ومن باقة البرامج التي تثري الخدمات الاجتماعية حرصت الجمعية على توسيع صناعة الأثر من خلال العمل التطوعي، خاصة الاحترافي منه، فاستقطبت آلاف المتطوعين والمتطوعات الذي قدموا منظومة متكاملة من العمل الاجتماعي المنظم، وقد ساهمت الجمعية من خلال العمل التطوعي في تقديم حلول للعديد من قضايا المجتمع، كالاستشارات القانونية، وحل مشاكل الاختناق المروري في الشوارع الى جانب الحملات التطوعية التوعوية في الأسواق والمراكز التجارية.
كما نفذت الجمعية من خلال متطوعيها ومتطوعاتها عدداً من مبادرات التشجير التي تحقق طموحات رؤية المملكة في المجال البيئي وأهداف مبادرة السعودية الخضراء، الى جانب حزمة من المبادرات الخاصة بتنظيف الشواطئ، والمشي في عدد من المواقع الحيوية.
ومن المبادرات التطوعية البارزة تقديم وجبات إفطار صائم في المطار بكل ما تحمله من دلالات في تعزيز قيم التكافل الاجتماعي وترسيخ القيم الإسلامية وتشجيع أبناء المجتمع على الاضطلاع ببرامج المسؤولية المجتمعية.
الدعم المؤسسي.. حلول تمكينية لتعزيز الكفاءة التشغيلية
ويكتمل عقد المبادرات التي تقدمها الجمعية بجهود إدارة الدعم المؤسسي التي تضطلع بعدد من الأدوار التمكينية التي تعزز الكفاءة التشغيلية وترتقي ببيئة العمل وجودة الخدمات.
ومن المبادرات المتميزة للدعم المؤسسي: مبادرة: “ابتسامة وجمال”، التي نفذتها الجمعية بالتعاون مع عدد من المستشفيات، وهي تضم ركناً للتوعية بالأمراض المعدية والأوبئة وتقديم اللقاحات، وركناً للخدمات الاستشارية والتجميلية الخاصة بالأسنان، إضافة الى ركن توعوي لمنسوبي الجمعية يشمل تقديم حزمة من الخدمات الطبية كتحليل السكر وحساب كتلة الجسم وقياس الضغط وتحليل فيتامين دال، والتوعية بمرض الحزام الناري.
وقد تركت هذه المبادرة أثرها من خلال مساهمتها في تحصين المجتمع من الأمراض وتحسين جودة الحياة وتعزيز الصحة العامة.
إن ما تم تنفيذه من مبادرات وبرامج نوعية يعكس رؤية الجمعية في الانتقال من مفهوم الرعاية التقليدية إلى صناعة الأثر المستدام، حيث أصبحت المبادرات المجتمعية رافداً حقيقياً للتنمية الإنسانية، ووسيلة فاعلة لتمكين المستفيدين وتعزيز قدراتهم وتحسين جودة حياتهم.
وتؤكد هذه المنجزات أن العمل الاجتماعي المؤسسي، عندما يستند إلى التخطيط والشراكات الفاعلة وقياس الأثر، قادر على إحداث تحولات إيجابية عميقة تتجاوز حدود الخدمة المباشرة لتلامس حياة الأفراد والأسر والمجتمع بأكمله. ومع استمرار الجمعية في تطوير مبادراتها وتوسيع نطاق أثرها، فإنها تمضي بثقة نحو ترسيخ نموذج تنموي مستدام يجعل من العطاء استثماراً في الإنسان، ومن الأثر المجتمعي إرثاً تنموياً يمتد نفعه للأجيال القادمة.



