“حين يكون الوالدان أول من يهدمك”

بقلم الإعلامي صالح المحجم

من أشد أنواع الابتلاء أن يكون اسم عائلتك هو أول جرح تحمله معك في الحياة. أن تكبر وأنت تحاول النجاة من أذى أقرب الناس إليك وأن تكتشف أن بعض من ظننتهم سندًا كانوا أول من كسر قلبك. لم أكن أخوض معارك مع غرباء بل كنت أحارب وجوهًا أعرفها جيدًا وقلوبًا كنت أظنها يومًا مأمني الوحيد.
أحيانًا كنت أسأل نفسي لماذا يُحاسب الإنسان على شيء لم يختره
ولماذا يكون نصيب البعض أن يولدوا في بيوت ترهق أرواحهم بدل أن تحتويها. لم أطلب منهم الكثير. كنت أريد قليلًا من الحب وقليلًا من العدل وشعورًا بسيطًا بأنني لست غريبًا بينهم. لكنني تعلمت مبكرًا أن صلة الدم لا تمنع الظلم وأن أقسى أنواع الوحدة أن تكون محاطًا بأهلك وتشعر أنك وحيد.
وفي بعض البيوت لا يكون المال وسيلة للحياة بل يصبح معيارًا للحب والرضا والقبول. أبٌ أصبحت نظرته لأبنائه مرتبطة بما يقدمونه له
لا بما يحملونه له في قلوبهم. يقترب ممن يدفع ويبتعد عمن ضاقت به الدنيا. يزن المشاعر بميزان المصالح ويقيس البر بعدد الأوراق لا بصدق النوايا. حتى يصبح الابن الذي يملك أقل هو الأقل حظًا في القرب والاهتمام مهما كان أكثرهم وفاءً وإخلاصًا.
وأمٌ ترى ما يحدث ولا تعرف كيف تنصف أو لا تريد أن تنصف. ترى الظلم بعينيها وتسكت وتسمع الكذب وتبرره وتشاهد القلوب وهي تتكسر ثم تكتفي بالصمت. حتى أصبح الصمت شريكًا في الجرح وأصبح السكوت عن الظلم ظلمًا آخر لا يقل وجعًا عن الظلم نفسه.
ومن أبشع ما يمكن أن يعيشه الابن أن يكتشف أن بعض الآباء والأمهات إذا أرادوا تصفية حساباتهم معه أشهروا في وجهه سلاحًا لا يستطيع رده أو الاعتراض عليه
سلاح “نحن والداك”. يختبئون خلف هذه الكلمة ليبرروا كل شيء. يظلمون ثم يطالبون بالسكوت. يجرحون ثم يطالبون بالرضا. يهدمون ثم يطالبون بالشكر. وكأن الأبوة والأمومة أصبحت حصانة من المساءلة لا مسؤولية أمام الله.
وقد يصل الأمر إلى السعي لتدمير حياة أحد الأبناء أو إشعال الخلافات في بيته أو تأليب الناس عليه أو تشويه صورته بين أقاربه ومعارفه. وربما يتجاوز الأمر ذلك إلى التخطيط لإيذائه عمدًا ثم الاجتماع بعد ذلك وكأن شيئًا لم يكن. يتبادلون الضحكات ويتحدثون عنه وكأنهم حققوا انتصارًا عظيمًا
أي قسوة هذه التي تجعل إنسانًا يحتفل بوجع ابنه. وأي قلب هذا الذي ينام مرتاحًا بعدما تسبب في هدم أمان فلذة كبده.
ثم يتساءلون بعد ذلك لماذا ابتعد الأبناء ولماذا تغيرت القلوب ولماذا ماتت المشاعر. وكأنهم لا يدركون أن بعض الجراح التي يصنعها الوالدان لا تمحوها السنين وأن بعض الكسور تبقى داخل الروح حتى آخر العمر.
والنتيجة أبناء متشاحنون يتوارثون الخصومات كما يتوارثون الأسماء. لا ثقة ولا مودة ولا رحمة. إخوة تجمعهم صورة العائلة وتفرقهم القلوب. كل واحد منهم يحمل في صدره وجعًا قديمًا وحسابات لم تغلق وجراحًا لم تلتئم.
ومع ذلك كله يخرجون إلى الناس وهم يتحدثون عن أنفسهم وكأنهم المثال الذي لا يضاهى. يرددون أنهم أفضل البيوت وأنه لا مثيل لهم بين الأسر. يتغنون بالأخلاق ويتحدثون عن القيم والمبادئ وكأنهم نموذج للكمال
بينما الحقيقة خلف الأبواب مختلفة تمامًا.
فليست أفضل البيوت تلك التي تكثر من مدح نفسها بل التي ينام أبناؤها مطمئنين. وليست أكرم البيوت تلك التي تتفاخر أمام الناس بل التي يسودها العدل والرحمة والصدق. أما البيت الذي يملؤه الظلم والكذب والتفرقة بين الأبناء ثم يدعي الفضيلة فهو في الحقيقة بيت فقد أثمن ما تملكه البيوت وهو الإنسانية.
ما قيمة بيت يعلو فيه الكذب ويغيب عنه الصدق. ما قيمة بيت يتزين أمام الناس بالمظاهر بينما يأكل الظلم قلوب أبنائه في الخفاء. ما قيمة بيت يحافظ على صورته أمام المجتمع بينما يهدم نفوس من يعيشون داخله.
والأشد إيلامًا حين ترى من يحرصون على النوافل ويصومون الاثنين والخميس والأيام البيض ويكثرون من العبادات ثم لا يتورعون عن الكذب والحلف زورًا وظلم أقرب الناس إليهم. فكيف يُنتظر من الأبناء أن يكونوا صورة مختلفة وهم يرون التناقض كل يوم أمام أعينهم. كيف يتعلمون الصدق إذا كان الكذب هو اللغة التي تُدار بها الخلافات. وكيف يتعلمون العدل إذا كانوا يرون الظلم ينتصر في كل مرة.
فالأبناء لا يتعلمون مما يُقال لهم بقدر ما يتعلمون مما يرونه. وحين يكبرون في بيئة يختلط فيها التدين بالممارسات الخاطئة فإنهم يخرجون محملين بالحيرة والخذلان وربما يعيدون إنتاج الجراح نفسها في حياتهم.
ولعل أكثر ما يؤلم أنني لم أبكي. لأنهم كانوا أعدائي بل لأنني كنت أحبهم بصدق. ولأن القلب الذي خرج إليهم بالأمان عاد منهم محملًا بالخذلان. فهل هناك وجع أشد من أن يأتيك الأذى ممن كنت مستعدًا أن تواجه الدنيا كلها لأجلهم.
وإن كان للظلم من نهاية فإن عدل الله لا نهاية له. قد ينجح الظالم في إسكات الأصوات وقد يفرح حين يرى من ظلمه يتألم وقد يظن أنه انتصر لأنه يملك السلطة أو المكانة
أو كلمة “أنا والدك” أو “أنا والدتك”
لكنه ينسى أن الأيام تدور وأن الله لا يغفل ولا يهمل.
فاحذروا من دموع الأبناء حين تخرج من قلوب أنهكها القهر. واحذروا من القلوب التي انكسرت ظلمًا ثم رفعت أمرها إلى الله. واحذروا من يوم تشربون فيه من الكأس نفسها. فكما تدين تدان وكما تزرع تحصد. ولا تأمنوا غدر الأيام فإنها لا تثبت لأحد. فقد يأتي يوم تحتاجون فيه إلى من وقفتم ضده بالأمس فلا تجدونه إلى جواركم. وقد تشربون من كأس أشد مرارة وأعظم ألمًا ولن تجدوا حينها من يربت على أكتافكم أو يمسح دموعكم.
وعندها فقط ستدركون أن أعظم الخسائر ليست خسارة المال ولا المكانة ولا السمعة بين الناس. بل خسارة القلوب التي أحبتكم يومًا بصدق وأعطتكم من الوفاء ما لم تعطِه لأحد. فبعض القلوب إذا انكسرت لا تعود كما كانت وبعض الأبواب إذا أغلقتها الخيبة لا تفتحها كل اعتذارات الدنيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى