خروج المنتخب… فرصة لمراجعة المنظومة

الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– خرج المنتخب من بطولة كأس العالم ٢٠٢٦ ، لكن السؤال الذي بقي في أذهان الجميع أكبر من نتيجة مباراة أو نهاية منافسة: هل خسرنا مباراة، أم كشفت النتيجة ما تحتاجه منظومتنا الرياضية من مراجعة؟
فالمباريات تنتهي بصافرة الحكم، أما بناء المنتخبات فلا يبدأ ولا ينتهي داخل الملعب، بل في مكاتب التخطيط، وغرف صناعة القرار، وبرامج إعداد الأجيال. والمنتخب الوطني ليس سوى مرآة تعكس جودة المنظومة التي تقف خلفه؛ فإذا كانت قوية ومنظمة، جاءت النتائج امتدادًا طبيعيًا لعملها، وإذا اعتراها الخلل، ظهرت آثاره عندما يشتد التنافس وتعلو التحديات.
الخروج من البطولة مؤلم لكل محب للرياضة السعودية، لكنه لا ينبغي أن يقودنا إلى ردود فعل آنية أو البحث عن شماعة نعلق عليها الإخفاق. فالرياضة الحديثة علمٌ وإدارة، والنتائج ليست وليدة تسعين دقيقة، بل ثمرة سنوات من التخطيط، والاستثمار، والحوكمة، واستقرار العمل الفني والإداري.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتمثل في: من نغيّر؟ بل في: ماذا نطوّر؟ لأن تغيير الأشخاص قد يهدئ الغضب مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور المشكلة إذا بقيت المنظومة على حالها.
إن أي مراجعة جادة تبدأ بالاعتراف بأن المنتخبات الكبرى لا تُبنى بالعاطفة، ولا بالاجتهادات الفردية، بل بمنظومة مؤسسية واضحة، تقوم على العدالة، والشفافية، والمحاسبة، واستدامة التخطيط. فالعدالة في اختيار اللاعبين والأجهزة الفنية تزرع الثقة، والعمل المؤسسي يصنع الاستقرار، والحوكمة تحمي القرار من الاجتهادات والضغوط، والمحاسبة تحول الأخطاء إلى فرص للتعلم والتطوير.
ولعل أهم ما يحتاجه أي مشروع رياضي ناجح هو وضوح الرؤية. فهل نملك أهدافًا فنية قابلة للقياس؟ وهل تخضع برامج الإعداد للتقييم المستمر؟ وهل ترتبط المسؤوليات بالنتائج وفق معايير معلنة؟ هذه الأسئلة هي التي تصنع الفارق بين منظومة تتطور باستمرار، وأخرى تنتظر كل بطولة لتبدأ من جديد.
ولا يمكن إغفال ما تشهده الرياضة السعودية من تطور غير مسبوق في الاستثمار، والبنية التحتية، واستضافة الأحداث الرياضية العالمية، وهي منجزات نفخر بها جميعًا. غير أن اكتمال هذا المشروع يتطلب أن ينعكس أثره بصورة أوضح على أداء المنتخبات الوطنية، لأنها تمثل الواجهة التي يلتف حولها الجميع، والمؤشر الذي يقيس به الشارع الرياضي مدى نجاح العمل المؤسسي.
ولذلك، فإن المرحلة الحالية تستحق مراجعة شاملة وهادئة، لا تتوقف عند نتائج بطولة واحدة، بل تمتد إلى تقييم البرامج، وآليات صناعة القرار، وتطوير الفئات السنية، وتأهيل الكوادر الفنية والإدارية، وتعزيز ثقافة الأداء المبني على المعايير والنتائج.
إن النقد الحقيقي لا يبحث عن مذنب، بل يبحث عن حل. والمراجعة الصادقة لا تهدف إلى جلد الذات، بل إلى تصحيح المسار. فالأمم الرياضية التي تصنع الإنجازات ليست تلك التي لا تعرف الخسارة، وإنما تلك التي تحسن التعلم منها، وتحول كل إخفاق إلى خطوة جديدة نحو النجاح.
قد نخسر بطولة، وقد نتعثر في طريق المنافسة، لكن الخسارة الحقيقية هي أن نكرر الأخطاء نفسها دون أن نتعلم منها. أما عندما يتحول كل إخفاق إلى فرصة للمراجعة والتطوير، ويصبح العدل أساس الاختيار، والمؤسسية منهج الإدارة، والحوكمة ضمانة القرار، فإن النجاح لن يكون أمنية ننتظرها، بل نتيجة طبيعية لمنظومة تعرف كيف تبني مستقبلها بثقة واقتدار.



