العدل أساس البقاء

بقلم الإعلامي صالح المحجم

في كل مؤسسة ناجحة يبدأ البناء بالعدل وينتهي بالظلم إن غاب الضمير.
هناك من يُؤتمن على الناس فإذا به يستغل الأمانة ويجعل من المنصب وسيلة للإقصاء والتهميش.
يُقرب من يشاء
ويُبعد من يشاء
ويمنح الامتيازات لمن يدور في فلكه، بينما يترك أصحاب الجهد الحقيقي في آخر الصفوف.
ومع مرور الأيام تنشأ طبقتان… طبقة مخملية تمتلك النفوذ والكلمة والمزايا ، وطبقة كادحة لا تملك إلا الصبر والعمل.
الأولى تتحدث باسم الإدارة، والثانية لا تجد من يسمع صوتها.
وحين يحاول أحد المظلومين أن يوصل الحقيقة إلى صاحب القرار، لا يُكافأ على صدقه، بل تبدأ رحلة العقاب. يُحارب في رزقه، وتُشوَّه سمعته، ويُضيَّق عليه حتى يكون عبرةً لكل من يفكر أن يقول كلمة حق.
ثم تُصدر التعاميم، وتُغلق الأبواب، ويُمنع الوصول إلى المسؤول، ويصبح الظالم هو الحارس، والمظلوم هو المتهم.
ثم إن من يتخذ المنصب وسيلةً للبطش بالناس، ويجعل السلطة سلاحًا لإذلالهم، فليتذكر أن الأيام دول، وأن الوقوف بين يدي الله حق لا مفر منه.
وقد سُئل التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله “من أشد الناس صراخًا يوم القيامة؟” ، فقال: “رجل رزقه الله منصبًا فاستعان به على ظلم الناس.”
وهو تحذير بالغ من خطورة استغلال السلطة، فذلك الذي كان يتجبر بمنصبه في الدنيا، ويقهر الضعفاء، ويمنع الحقوق، سيكون من أشد الناس حسرةً وعويلًا يوم القيامة، حين يرى أن المنصب قد زال، وبقيت المظالم، وأن صراخه يومئذ قد يكون بقدر صراخ المظلومين الذين آذاهم في الدنيا.
ويظن أصحاب النفوذ أن المعركة قد انتهت… لكنهم نسوا أن هناك بابًا لا يستطيع أحد إغلاقه.. باب السماء.
نسوا أن دعوة المظلوم لا تحتاج إلى توقيع مدير، ولا موافقة مسؤول، ولا تصريح من أحد. إنها تصعد إلى الله مباشرة.
وقد قال النبي ﷺ: «اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.»

ويكفي المظلوم شرفًا أن الله سبحانه وتعالى تكفّل بنصرته، ففي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا.»
فليس الظلم مجرد خطأ إداري أو تجاوز وظيفي، بل هو معصية لله قبل أن يكون اعتداءً على عباده.
وحين تضيق الأرض بالمظلوم، تتسع له السماء.
وقد يتأخر النصر لحكمة، وقد يطول ليل الظلم، لكن الله لا ينسى.
وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلمته الخالدة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟»
فلا منصب يمنح صاحبه حق إذلال الناس، ولا سلطة تخوله الانتقاص من كرامتهم، فالعدل أساس الملك، والناس عند الله سواء.
وربما يرى الظالم أن مؤسسته تكبر، وأرباحه تزيد، وأتباعه يصفقون له… ثم فجأة… تتغير الأحوال.
تتراجع البركة، ويغادر الأكفاء، وتفشل الخطط، وتنفض الناس من حوله.
ولا يدرك أن الظلم لا يهدم المظلوم أولًا، بل يهدم صاحبه قبل كل شيء.
ولعلنا نتذكر القصة المشهورة التي يذكرها أهل العلم عن نبي الله موسى عليه السلام حين مُنع المطر عن بني إسرائيل، فقيل إن فيهم رجلًا بارز الله بالمعصية سنين طويلة، فلما تاب إلى ربه ستره الله وأنزل الغيث. وهي قصة يتداولها الوعاظ للعبرة في سعة رحمة الله وستره للتائب، وإن كانت لا تثبت بإسناد صحيح.
فالعدل ليس خلقًا جميلًا فحسب، بل هو سر بقاء الدول، وسبب دوام المؤسسات، وأساس كل نجاح.
إنها قاعدة عظيمة تؤكد أن العدل سبب البقاء، وأن الظلم بداية السقوط، مهما امتلك صاحبه من نفوذ أو مال أو أتباع.
وليعلم كل صاحب سلطة، وكل مدير، وكل مسؤول، أن المنصب زائل، والكرسي مؤقت، أما المظالم فباقية حتى يُقتص لأهلها.
فإن استطعت أن تنام وقد سامحك الناس، فاحمد الله.
وإن كان في رقبتك مظلمة، فلا تؤجل التوبة.
فالحقوق لا تسقط بالنفوذ، ولا تموت بالتعاميم، ولا تُدفن بالصمت.
ويبقى وعد الله حقًا: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.
أيها الظالم…
إن استطعت أن تحجب صوت المظلوم عن الناس، فلن تستطيع أن تحجبه عن رب الناس.
وإن أغلقت في وجهه أبواب الأرض، فباب السماء لا يُغلق.
وإن طال بك الزمن، فاعلم أن لله يومًا تُرد فيه المظالم إلى أهلها، ويقف الخصوم بين يدي الحكم العدل، ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ حَسِيبًا﴾.
وقد ينسى المظلوم اسم ظالمه، لكن الله لا ينسى دمعته.
وقد يظن الظالم أن صوته أعلى، وأن سلطانه أبقى، لكن كلمة السماء إذا جاءت، سكتت كل الأصوات، وسقط كل جبار، ولم يبق إلا حكم العزيز الجبار.
فاللهم أنصف كل مظلوم، ورد إليه حقه، واكفِه بمن ظلمَه، واجعل كيد الظالمين في نحورهم، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، إنك على كل شيء قدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى