في ميزان الإنسانية: العطاء المعرفي وخلود الأثر

بقلم: ديمة الشريف

من يمتلك المعرفة يمتلك مفاتيح النور، ومن يحتفظ بها لنفسه يترك زوايا العالم غارقة في عتمتها. 

إن العلم ليس رداءً نرتديه للزينة، ولا وساماً نعلقه على جدران ذواتنا لنيل الثناء، بل هو أمانة ثقيلة ومقدسة، لا تخفّ أحمالها ولا يطيب حملها إلا بالبذل والعطاء. 

من هنا ينبثق المفهوم الأسمى الذي يربط بين الوعي والمسؤولية: “زكاة العلم نشره”. 

فكما تزكو الأموال بالصدقات فتنبت وتطهر، تزكو العقول بالمنح والتعليم فتتسع وتثمر.

إن بخل المعلومة هو أشد أنواع الفقر .

فالمادة تفنى بالإنفاق ، بينما الفكرة تنمو وتتكاثر كلما تقاسمها البشر. 

حين تمنح أحداً معلومة ، فإنك لا تعطيه مجرد نص مجرد أو فكرة عابرة ، بل تمنحه أداة يغير بها مجرى يومه ، أو ربما مجرى حياته بالكامل. 

كم من كلمة عابرة قيلت في دورة تدريبية، أو سُطّرت في منصة رقمية، أحيت شغفاً منطفئاً، أو أنقذت تائهاً، أو فتحت باب رزق لأسرة كانت تنتظر بصيص أمل.

ولا يقتصر هذا العطاء المعرفي على المحافل الكبرى أو المنصات العامة، بل إن أصدق تجلياته تبدأ من تفاصيل حياتنا اليومية وبيئات عملنا؛ وكما يعبر عن ذلك صقر الخالدي بعمق وبساطة في مقولته:

“لما تعلم شخص معك في العمل، تدري هذا يعتبر علم ينتفع به ويستمر لبعد موتك”

تلك اللفتة المهنية الحانية التي تنقل بها خبرتك لزميل يشاركك الميدان ، أو توجيه ذكي تختصر به سنوات التجربة والخطأ على موظف مبتدئ، ليست مجرد زمالة عابرة أو واجباً وظيفياً؛ إنها بذرة لـ “علم ينتفع به” يمتد أثره ويتعاظم خلف حدود غيابك الجسدي، ليظل حياً في أداء الآخرين ونجاحاتهم.

اليوم، وفي عصر الفضاء الرقمي المفتوح، تحولت منصات التواصل الاجتماعي وميادين العمل وقاعات التدريب إلى موازين حديثة نزن بها أثرنا الإنساني. 

إن ضغطة زر واحدة تنشر بها معرفة حقيقية، أو دقيقة تقضيها في تدريب زميل لك، كفيلة بأن تحول خبرتك المتراكمة إلى نهر جاري من الحسنات يتدفق في ميزانك وأنت في مرقدك.

كلما نشرت معرفة واحتسبت أجرها عند الله، فإنك تضع لبنة في بناء مجتمع أكثر وعياً ورحمة. 

المعرفة المبتغى بها وجه الله لا تموت بموت صاحبها. 

إنها دعوة نابعة من قلب يؤمن بقيمة الإنسان: لا تبخل، لا تتردد، انشر علمك في منبرك، في دورتك، ومع زميلك في العمل، واجعل من تخصصك وخبرتك صدقة جارية تضيء بها دروب الآخرين، لتثقل بها موازينك في الدنيا والآخرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى