التعليم الخاص… عندما يصبح تقليل التكاليف أكبر عدو لجودة التعليم

ناصر بن سعد الخثلان
مستشار وإخصائي في تقويم الأداء التعليمي
– ليس هناك قطاع حظي بما حظي به التعليم الخاص في المملكة العربية السعودية من دعم وتشجيع وتمكين خلال السنوات الأخيرة. فقد هيأت الدولة البيئة التشريعية والتنظيمية، وطورت الأنظمة، ورفعت كفاءة الحوكمة، وأنشأت منظومة متقدمة للتقويم والاعتماد والقياس، وفتحت أبواب الاستثمار، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن القطاع الخاص شريك استراتيجي في بناء الإنسان وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
كانت الرسالة واضحة: نريد تعليمًا خاصًا يقود المنافسة، ويبتكر، ويقدم نماذج تعليمية عالمية، ويسهم في رفع جودة التعليم الوطني، وليس مجرد زيادة عدد المقاعد الدراسية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل استثمرت جميع شركات التعليم هذه الفرصة التاريخية كما ينبغي؟
للأسف، ما زالت بعض الشركات تدار بعقلية تقليدية ترى المدرسة مشروعًا ماليًا أكثر من كونها مشروعًا وطنيًا لصناعة الإنسان. فالهم الأول لدى بعضها هو تقليص المصروفات، حتى وإن كان ذلك على حساب جودة التعلم، واستقرار الكفاءات، وبناء بيئة تعليمية قادرة على المنافسة.
ولعل ما يزيد هذا الواقع خطورة أن كثيرًا من أولياء الأمور ليسوا متخصصين في التربية، فيقيسون جودة المدرسة بالمبنى الجميل، أو المظهر العام، أو النشاط الإعلامي، بينما تبقى جودة التعلم الحقيقية داخل الفصول أمرًا لا يظهر إلا بعد سنوات، حين تتكشف الفجوة بين الدرجات التي حصل عليها الطالب وما يمتلكه فعليًا من معرفة ومهارات.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن أخطر ما يواجه التعليم هو أن تتحول المدرسة إلى مؤسسة تجيد صناعة الأرقام أكثر من صناعة التعلم.
ولا شك أن إعلان نتائج التميز المدرسي يمثل خطوة وطنية مهمة تستحق التقدير، ويؤكد وجود مدارس أهلية وصلت إلى مستويات عالية من الأداء. لكن التميز الحقيقي لا يقاس بلحظة زمنية، بل بقدرة المدرسة على المحافظة على مستوى الأداء عامًا بعد عام، وبأن تكون النتائج ثمرة تعلم حقيقي، في ظل حوكمة دقيقة وإجراءات تضمن أعلى درجات النزاهة والموثوقية في التقويم والاختبارات.
ومن القضايا التي تستحق الوقوف عندها بجدية أن بعض شركات التعليم ما زالت تتعامل مع الكفاءات البشرية بمنطق التكلفة لا بمنطق الاستثمار. فتبحث عن الأرخص، لا عن الأفضل، مع أن جميع الدراسات الإدارية تؤكد أن أعظم أصول أي مؤسسة تعليمية ليست المباني ولا الأجهزة، بل الإنسان.
فالمعلم المتميز يصنع فرقًا، والقائد التربوي المبدع يصنع مدرسة، أما المباني الفاخرة فلا تصنع تعليمًا إذا غابت القيادة والكفاءة.
إن الوظائف القيادية في المدارس ليست مواقع إدارية لتسيير الأعمال اليومية، بل هي مواقع لصناعة الثقافة المدرسية، وبناء فرق العمل، وتحليل البيانات، وتطوير الأداء، واكتشاف المواهب، وقيادة التعلم. وهذه الأدوار لا يمكن أن تؤديها إلا كفاءات تمتلك الخبرة والرؤية والقدرة على الإلهام، وهي كفاءات لا يمكن استقطابها أو الاحتفاظ بها برواتب متدنية لا تعكس قيمتها المهنية.
ومن أكثر المظاهر التي تدعو إلى إعادة النظر تكليف قائد مدرسي واحد بإدارة المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية معًا.
قد يبدو هذا الإجراء ناجحًا في دفاتر المحاسبة، لكنه تربويًا يثير تساؤلات كبيرة.
فالمرحلة الابتدائية عالم مختلف، والمتوسطة لها خصائصها، والثانوية لها تحدياتها. ولكل مرحلة فلسفتها، وأساليبها، وبرامجها، ومشكلاتها، واحتياجاتها القيادية. فكيف يمكن لقائد واحد، مهما بلغت خبرته، أن يمنح كل مرحلة حقها من التخطيط، والإشراف، والمتابعة، والتطوير؟
إن القضية هنا ليست التشكيك في كفاءة القيادات، وإنما الإقرار بحقيقة إدارية بسيطة: الوقت مورد محدود، والطاقة البشرية لها حدود، وكلما اتسعت دائرة المسؤولية، انخفضت جودة المتابعة.
ولهذا فإن اختزال ثلاث مدارس في قائد واحد قد يحقق وفرًا ماليًا محدودًا، لكنه قد يترتب عليه ثمن تربوي كبير يدفعه الطالب أولًا، ثم المجتمع لاحقًا.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى مراجعة هذه الممارسة، ووضع ضوابط أكثر دقة، تراعي عدد الطلاب، وتعدد المراحل، وحجم المدرسة، وطبيعة العمل القيادي، بحيث يصبح وجود قائد متفرغ للتعليم والتعلم معيارًا من معايير الجودة، لا رفاهية يمكن الاستغناء عنها.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب من شركات التعليم أن تعيد تعريف النجاح. فالنجاح ليس تحقيق فائض مالي في نهاية العام فقط، وإنما بناء مدرسة يتسابق أولياء الأمور إليها لأنها تصنع التعلم الحقيقي، وتخرج طالبًا مفكرًا، ومعلمًا متطورًا، وبيئة عمل جاذبة للكفاءات.
إننا بحاجة إلى مستثمر تعليمي يرى في المعلم أصلًا استراتيجيًا، وفي القائد التربوي شريكًا في صناعة النجاح، وفي الجودة استثمارًا طويل الأجل، لا بندًا يمكن تخفيضه.
وفي المقابل، فإن الجهات التنظيمية مدعوة إلى مواصلة تطوير معايير الجودة، والانتقال تدريجيًا من قياس النتائج إلى قياس أثر التعلم، ومن تقييم المدرسة على ما تحققه من أرقام إلى تقييمها على ما تبنيه من إنسان.
فالأمم لا تتقدم بالمباني المدرسية وحدها، وإنما بالعقول التي تُبنى داخلها.
إن التعليم الخاص أمام فرصة تاريخية ليصبح نموذجًا عالميًا يحتذى به، لكنه لن يصل إلى ذلك ما دام بعض المستثمرين ينظر إلى الجودة بوصفها تكلفة، بينما الحقيقة أنها أعظم استثمار يمكن أن يقدمه لوطنه ولمؤسسته ولطلابه.
فكل ريال يُوفَّر على حساب القيادة التربوية أو المعلم أو جودة التعلم، قد يبدو ربحًا في نهاية الميزانية، لكنه قد يتحول إلى خسارة وطنية لا تظهر إلا بعد سنوات، عندما نكتشف أننا وفرنا في الإنفاق… لكننا خسرنا في بناء الإنسان.



