مدائن الذاكرة الفنان نهار مرزوق بين الحرف والعمارة

بقلم / المهندس محمد توفيق صعابنة
أولا مدخل عام عن الفنان.
نهار مرزوق مطر البقيلي فنان تشكيلي سعودي من مواليد مكة المكرمة عام 1970 حاصل على بكالوريوس تربية فنية ويعد من الأسماء الحاضرة في المشهد التشكيلي السعودي منذ أكثر من ثلاثة عقود مع ارتباط واضح بتجربة المكان والعمارة خصوصا الاماكن المقدسة في لوحات هذا الفنان والذي من يود الكتابة عنة او النظر الى اعمالة فلا بد لة من تحضير الذهن والذاكرة والنظر بعمق الى اعمال تعد علامة فارقة في الفن التشكيلي السعودي وفي هذا المقام سنتناول الفنان من عدة جوانب من حيث اللغة البصرية ,علاقة الفنان بالاماكن التي جسدها والخط العربي والزخرفة وملاحظات نقدية من خلال النظر الى اعمال الفنان بشكل عام واثرة في الفن التشكيلي السعودي وما هي الاضافة التي قدمها من خلال لوحاتة واخيرا الخلاصة النقدية وكلي امل ان يرافقني التوفيق في هذا المقال البسيط الذي يضيئ على فنان تشكيلي بحجم الفنان نهار المرزوق والذي يقوم اسلوبة على مزج الخط العربي والزخرفة الإسلامية وتقنيات الفن المعاصر مع حضور للآيات والرموز الإسلامية والمعالم التراثية والمساجد في أعماله. وهذا الوصف يتطابق إلى حد كبير مع الأعمال المرفقة حيث لا يظهر الخط أو العمارة كعنصرين زخرفيين فقط بل كجزء من بناء بصري متكامل بحيث يمكن تصنيف تجربة الفنان نهار مرزوق ضمن اتجاه يمكن تسميته بالحروفية المعمارية المعاصرة أو التجريد المعماري المستند إلى الذاكرة الإسلامية والحجازية. فهو لا يرسم المكان بوصفه مشهدا واقعيا مباشرا ولا يتعامل مع الخط العربي بوصفه كتابة مقروءة فقط بل يحول الاثنين معا إلى نسيج تشكيلي فمن خلال النظر الى اعمال الفنان فان حضورا للمآذن والقباب والأقواس والمشربيات والواجهات والشبكات الزخرفية والكتابات العربية. هذه العناصر كلها لا يقدمها الفنان كعنصر توثيق معماري بل كذاكرة بصرية مركبة. فالمدينة والعمارة عنده ليست مكانا هندسيا جامدا بل فضاء روحي وثقافي متراكم تتداخل فيه العمارة مع الخط واللون مع الضوء والسطح مع الإيقاع وتعد تجربتة ابعد ما تكون عن الواقعية الفنية فمن خلال الخطوط والتراكبات والمربعات يهديك احساسا بأنة يبنى كما المدن تكونت حجرا حجرا وزمن فوقة زمن اخر
ثانيا اللغة البصرية في الأعمال
أبرز ما يميز هذه المجموعة هو اعتماد الفنان على الإيقاع الخطي والبنائي. فاللوحة عنده لا تقوم على كتلة واحدة مركزية فقط بل على شبكة من العلاقات خطوط أفقية وأعمدة رأسية وتكرار للنوافذ وأقواس متوالية ومآذن ممتدة ومساحات لونية متجاورة تعطي المتلقي حسا زخرفيا واضحا. لكنه في الوقت نفسه لا يبقى داخل الزخرفة الإسلامية التقليدية لأن الفنان يكسرها بإدخال منظور المدينة الحديثة والأبراج والكتل العمرانية والفراغات اللونية المتقطعة. لذلك تبدو اعمالة وكأنها تقف بين عالمين عالم التراث الإسلامي وعالم المدينة المعاصرة حيث ان الألوان لهادورا أساسيا في بناء التجربة. ففي بعض الأعمال يسود اللون الازرق والاخضر والرمادي فتمنح المشهد طابعا روحانيا هادئا قريبا من أجواء المدينة المنورة والحرم النبوي. وفي أعمال أخرى تظهر الألوان الحارة مثل الأحمر والبرتقالي والأصفر لتقارب أجواء المدن والأسواق والعمارة الحجازية. وهذا يفسر الحضور الترابي والحراري في جانب من أعماله.
ثالثا علاقة الفنان بالمكان.
المكان هو المحور الأهم في هذه التجربة. لكنه ليس مجرد منظر طبيعي أو مشهد حضري بل مخزون وجداني وروحي. ففي اللوحات التي يظهر فيها المسجد النبوي أو القبة الخضراء أو المآذن لا يبدو الفنان معنيا برسم التفاصيل بدقة فوتوغرافية بل معنيا بتقديم أثر المكان في الذاكرة الروحية مما يعطي الاعمال قوة انها تعيد إنتاج الحرم أو المدينة كما تراها العين بل في أنها تعيد بناء الإحساس بالمكان كما تحفظه الذاكرة. لذلك تظهر المآذن أحيانا ممدودة والعمارة مضغوطة والفراغات متداخلة وكأن الفنان يرسم انطباعا داخليا لا خريطة خارجية و هذا يوضح أن المدينة عنده ليست موضوعا عابرا بل مشروع بصري ممتد .
رابعا الخط العربي والزخرفة
الخط في أعمال نهار مرزوق ليس خطا وظيفيا بالمعنى التقليدي. فكثيرا ما يصبح الخط كتلة تشكيلية أو نسيجا أو طاقة بصرية داخل اللوحة. أحيانا يمكن قراءة بعض العبارات أو الآيات وأحيانا يتحول الخط إلى حركة وإيقاع وملمس و هذه نقطة قوة واضحة لأنه لا يستخدم الحرف كزينة سطحية فقط بل يجعله جزءا من بنية اللوحة. ومع ذلك تظهر ملاحظة نقدية مهمة وهي أن التراكم الخطي والزخرفي قد يطغى في بعض الأعمال إلى درجة تقلل من وضوح المساحات وتزيد من ازدحام اللوحة. وهذا لا يضعف التجربة بالضرورة لكنه يجعل بعض الأعمال بحاجة إلى توازن أكبر بين الكثافة والفراغ فهو يحاول استخدام ما يسمى بالخط العربي ( الطغراء ) في بعض التفاصيل التي تخدم اللوحة في بعض تفاصيلها وان أفضل أعماله هي التي ينجح فيها في ضبط العلاقة بين الحرف والعمارة والفراغ بحيث لا يبتلع عنصر الآخر. أما حين تتكاثف العناصر كثيرا فقد يشعر المتلقي بأن العين لا تجد نقطة راحة كافية داخل العمل
خامسا أهم السمات والايجابيات الفنية
أهم إيجابية في تجربة الفنان هي امتلاكه بصمة بصرية واضحة. فبمجرد النظر إلى عدد من أعماله يمكن ملاحظة أسلوب ينطق باسم صاحبة ورؤيا متكرره واسلوب ومتماسك يقوم على المدن والخط والمآذن والأقواس والشبكات والطبقات اللونية والسطوح المتراكبة. هذه البصمة او السمة لا تعني التكرار السلبي بل تعني أن الفنان بنى قاموسا بصريا خاصا به وله رؤوياه الفنية التي لا تشتبة على متذوق لاعمالة .
الإيجابية الثانية هي قدرته على تحويل الموضوع الديني أو التراثي إلى عمل معاصر دون أن يفقد احترامه للمصدر. فهو لا يقدم الحرمين أو العمارة الإسلامية بطريقة تسجيلية مباشرة ولا يفرغها من معناها الروحي بل يحاول أن يضعها في صياغة تشكيلية حديثة بل يصورهما بناء على فكرة وتفسيرة للاشياء وينقل لنا بسلاسة الخط ونعومة الالوان الروحية المتمثلة باعمالة .
الإيجابية الثالثة هي قوة الإيقاع. فلوحاته غالبا تتحرك بصريا وتنتقل العين فيها من مئذنة إلى قبة ومن كتابة إلى قوس ومن كتلة لونية إلى شبكة معمارية. هذه الحركة تعطي الأعمال حيوية وتمنعها من الجمود كأنك تسير في اجوائها بل يقدم صورة عن المدينة السعودية خصوصا الحجازية بوصفها مدينة ذات ذاكرة مركبة دينية وعمرانية وتجارية وثقافية. وهذا واضح في ارتباط أعماله بالمدن والأسواق ورحلات الحج والطرق التاريخية.
سادسا أثره في الفن التشكيلي السعودي
من الدقة والانصاف القول إن أثر نهار مرزوق في الفن التشكيلي السعودي يأتي في جوانب رئيسية
منها ترسيخ حضور المكان المقدس والمدينة الحجازية في صيغة تشكيلية معاصرة. فهو لا يتعامل مع مكة والمدينة كموضوعين سياحيين أو توثيقيين بل كفضاءين بصريين وروحيين قابلين لإعادة التأويل الفني ومن هنا تمييزة في روؤياه الفنية ونظرتة الى المكان وكذلك المساهمة في استمرار تيار الحروفية السعودية مع ربطها بالعمارة والمدينة لا بالحرف وحده. فالحروفية عنده ليست لوحة خطية مستقلة بل تدخل في بناء المشهد العمراني والروحي
اخيرا فهو يعبر عن الحضور المؤسسي والمعارضي. فسيرته تذكر مشاركاته ومعارضه وارتباطه بجهات فنية وجمعيات في جدة إضافة إلى حضور أعماله ضمن مجموعات داخل المملكة وخارجها. وهذا لا يعني أنه بالضرورة صاحب التأثير الأكبر في كل الفن السعودي لكن من المنصف اعتباره أحد الفنانين الذين أسهموا في تقديم صيغة بصرية تربط الهوية الإسلامية والحجازية بالفن المعاصر.
الخلاصة النقدية
تجربة نهار مرزوق تجربة ناضجة بصريا تقوم على ذاكرة المكان وعلى تحويل العمارة الإسلامية والحجازية إلى بناء تشكيلي معاصر. قوته الأساسية في أنه لا يرسم المدينة كما هي بل يرسم حضورها في الوجدان. أعماله تجمع بين الحرف والزخرفة والعمارة واللون ضمن لغة واضحة ومتماسكة.
قيمته الفنية لا تكمن في الإبهار السطحي بل في بناء عالم بصري خاص به. عالم مزدحم لكنه غني وتراثي لكنه ليس تقليديا وديني وروحي لكنه مطروح بلغة تشكيلية معاصرة. أما الملاحظة الأهم فهي أن هذه اللغة لقوتها وتكرار مفرداتها تحتاج دائما إلى تجديد داخلي حتى تبقى مفتوحة ولا تتحول إلى قالب ثابت.
وبنظرة عامة يمكن إنصاف الفنان بالقول إنه من الأسماء التي اشتغلت بجدية على هوية المكان السعودي خصوصا الحجازي وقدمتها من خلال رؤية تشكيلية تجمع بين الذاكرة والمدينة والحرف والروحانية دون أن تنفصل عن أسئلة الفن المعاصر في التكوين والسطح والإيقاع واللون.




