تجمعٌ شيطاني

فاطمة إبراهيم البلوي
ثمة أرواحٌ لا تلتقي صدفة..بل يجمعها شيءٌ خفيّ..
شيءٌ يشبه الفراغ الذي يسكنها..
والحاجة التي لا تشبع..
والظلمة التي لا تظهر للعيان..
إحداهما…
كانت تبحث دائمًا عن مرآةٍ أكبر..
ترى فيها نفسها أجمل مما هي..
وأعظم مما تكون..
وأكثر استحقاقًا لكل تصفيقٍ وكل اهتمام..
كانت تقتات على الإعجاب كما يقتات العطشان على الماء..
وتظن أن كثرة الأصوات حولها دليلٌ على الحقيقة..
لا على حاجتها المستمرة لأن يراها الآخرون كما تريد أن تُرى…
والأخرى…
لم تكن أقل احتياجًا..
لكنها اختارت دورًا مختلفًا..
لم تبحث عن الضوء لنفسها..
بل آثرت أن تقف خلفه..
وأن تنفخ في وهجه..
وأن تصنع من الظل شمسًا..
ومن الوهم يقينً..
ومن المبالغة حقيقةً يُراد لها أن تُصدّق..
وحين التقتا…
لم يكن ذلك لقاءً عابرًا…
بل كان أشبه باتفاقٍ صامت..
لا يحتاج إلى كلماتٍ كثيرة..
كل واحدةٍ منهما وجدت في الأخرى ما ينقصها…
فهذه وجدت من يصفق لها كلما أرادت التصفيق..
وتلك وجدت من يمنحها دورًا في صناعة المشهد..
ومنذ ذلك الحين…
بدأ كل شيء يتغير..
ليس بصوتٍ مرتفع..
ولا بعداوةٍ معلنة..
بل بذلك النوع من التغير الذي يتسلل ببطءٍ حتى يستقر في القلوب دون أن يشعر به أحد….
كلماتٌ تُقال هنا..
ونظراتٌ تُزرع هناك..
وتفسيراتٌ تُنسج بعناية..
حتى يصبح الصفاء شكًا..
والقرب ريبة..
والطمأنينة خوفًا لا يُفسَّر..
والأغرب من ذلك…
أن كل هذا لم يكن موجّهًا إلى من نافس،أو أذى، أو أساء…
بل إلى روحٍ كانت منشغلةً بأوجاعها…
تحاول أن تنجو من ثقل أيامها..
وأن تحمل ما يكفيها من الصبر لتستمر..
لكن بعض النفوس…
حين تعجز عن صناعة السلام داخلها..
تبحث عن معارك خارجه..
ولعل أكثر ما يثير الحزن….
أن هناك من يجد لذته في تضخيم ذاته..
ومن يجد قيمته في تضخيم غيره..
حتى يتحول الأمر إلى دائرةٍ مغلقة…
يتغذى فيها الوهم على الوهم..
ويصفق فيها الصدى للصدى..
بينما الحقيقة تقف بعيدًا…
صامتةً..
لا تدافع عن نفسها…
لقد تعلمنا متأخرين أن بعض التجمعات لا تقوم على المحبة….
بل على الحاجة..
ولا يجمعها الوفاء….
بل يجمعها ما هو أعمق وأشد ظلمة..
حاجةٌ إلى الشعور بالقوة..
ولو كانت على حساب قلبٍ لم يكن يقاتل أحدًا….
ويبقى السؤال الأكثر إيلامًا:
كيف تستطيع بعض الأرواح أن تتآلف إلى هذا الحد، وهي لا تملك من الطمأنينة ما يكفي لترك الآخرين بسلام؟
وربما لأن الشيطان لا يبدأ دائمًا بالعداوة…
بل يبدأ بالإعجاب..
ثم بالمبالغة..
ثم بالهمس..
حتى يظن الجميع أنهم على حق..
بينما يكونون قد أضاعوا، منذ زمنٍ بعيد، الطريق إلى الحق…



