تصدق بضروسك فهي أجور في ميزانك

بقلم : ديمة الشريف 

بَذْلُ الثَّغْرِ: حِينَ تَكُونُ الِابْتِسَامَةُ أَبْقَى مِنَ الدِّرْهَمِ ، لَيْسَ كُلُّ بَذْلٍ يَقُومُ عَلَى فَيْضِ الْمَالِ، وَلَا كُلُّ جُودٍ يَحْتَاجُ إِلَى خَزَائِنَ مَمْلُوءَةٍ؛ فَفِي كَلِمَاتِ الْكَاتِبَةِ دِيمَة الشَّرِيفِ تَتَجَلَّى حَقِيقَةٌ إِنسَانِيَّةٌ بَاذِخَةُ الْجَمَالِ: “إِذَا مَا تَتَصَدَّقُ بِفُلُوسِكَ.. تَصَدَّقْ بِضُرُوسِكَ”. 

إِنَّهَا دَعْوَةٌ أَدَبِيَّةٌ رَاقِيَةٌ لِإِعَادَةِ تَعْرِيفِ الْعَطَاءِ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الِابْتِسَامَةُ فِيهَا مِنْ مُجَرَّدِ حَرَكَةٍ عَابِرَةٍ عَلَى الشِّفَاهِ إِلَى عُمْلَةٍ رُوحِيَّةٍ تَشْتَرِي بِهَا سُرُورَ الْقُلُوبِ.

فَلْسَفَةُ الثَّغْرِ الْبَاسِمِ

تَنْطَلِقُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ مِن عُمْقٍ نَفْسِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ يَرَى فِي الْوَجْهِ الْبَشَرِيِّ كِتَاباً مَفْتُوحاً يَقْرَأُهُ الْجَمِيعُ. 

حِينَمَا يَشُّحُّ الزَّمَانُ بِالْمَالِ، أَوْ تَقْصُرُ أَيْدِي النَّاسِ عَنِ الْبَذْلِ الْمَادِّيِّ، يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ بَاباً لَا يَنْغَلِقُ مِنَ الصَّدَقَاتِ الرُّوحِيَّةِ. 

الِابْتِسَامَةُ هِيَ مِفْتَاحٌ صَامِتٌ يَكْسِرُ أَقْفَالَ الْقُلُوبِ الْمُغْلَقَةِ، وَهِيَ رِسَالَةٌ بَرِيقُهَا أَسْرَعُ مِنْ رَجْعِ الصَّدَى، تَقُولُ لِلْعَابِرِ: “أَنْتَ آمِنٌ، وَأَنْتَ مَقْبُولٌ، وَالدُّنْيَا لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ”.

إِنَّ التَّصَدُّقَ بِـ “الضُّرُوسِ” هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الِابْتِسَامَةِ النَّاصِعَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهَا نَوَاجِذُ الْإِنْسَانِ فَرَحاً وَبِشْراً. 

هَذَا الْبَذْلُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى حِسَابَاتٍ بَنْكِيَّةٍ، بَلْ إِلَى نَفْسٍ رَاضِيَةٍ تَتَمَنَّى الْخَيْرَ لِلْعَالَمِينَ.

صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ تَتَحَدَّى الزَّمَنَ

عِنْدَمَا تَمْنَحُ أَحَدَهُمْ طَعَاماً، فَإِنَّ أَثَرَهُ يَبْقَى لِسَاعَاتٍ. 

وَعِنْدَمَا تَمْنَحُهُ مَالاً، قَدْ يَنْفَدُ فِي أَيَّامٍ. 

لَكِنْ عِنْدَمَا تَمْنَحُهُ ابْتِسَامَةً صَادِقَةً فِي لَحْظَةِ انْكِسَارِهِ، فَأَنْتَ تَغْرِسُ فِي قَلْبِهِ شَمْعَةً قَدْ تُضِيءُ ظُلْمَتَهُ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. 

هَذَا هُوَ مَعْنَى الْأَجْرِ الْمُمْتَدِّ وَالصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ الَّتِي تَسْكُنُ ذَاكِرَةَ النَّاسِ.

كَمْ مِنْ عَابِرٍ سَبَقَتْهُ هُمُومُهُ، فَالْتَقَى بِوَجْهٍ بَشُوشٍ أَعَادَ لَهُ الْأَمَلَ فِي الْحَيَاةِ .

إِنَّهَا هَنْدَسَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا، حَيْثُ يُصْبِحُ الْفَرَحُ مَعْدِياً، وَتُصْبِحُ الْبَشَاشَةُ جِسْراً يَرْبِطُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فَوْقَ نَهْرِ الْحَيَاةِ الْمُتَدَفِّقِ بِالْمَتَاعِبِ.

نِدَاءٌ إِلَى نَقَاءِ الْقُلُوبِ

فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، تَأْتِي هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْعَفْوِيَّةُ لِتُذَكِّرَنَا بِأَنَّ الثَّرَاءَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ ثَرَاءُ النَّفْسِ وَجُودُ الْمَشَاعِرِ. 

لَا تَعْتَذِرْ عَنِ الْعَطَاءِ بِقِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ، فَإِنَّ لَدَيْكَ فِي وَجْهِكَ كَنْزاً لَا يَفْنَى.

تَصَدَّقْ بِبِشْرِكَ، وَاجْعَلْ ثَغْرَكَ بَاسِماً، وَاتْرُكْ ضُرُوسَكَ تَلْمَعُ بِالْخَيْرِ؛ فَالْقُلُوبُ تَتَعَطَّشُ إِلَى النُّورِ، وَابْتِسَامَتُكَ هِيَ الشَّمْسُ الَّتِي يَنْتَظِرُهَا الْجَمِيعُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى