في محبرة الأيام: الحياة.. ذلك الاختبار الذي لا يرتدي ورقاً

بقلم : ديمة الشريف
تباغتنا الحياة في كثير من الأحيان بأسئلة حائرة لا نجد لها إجابة في بطون الكتب، ونقف أمام مواقفها مذهولين، نبحث عن قاعة امتحان، أو مراقب يلوح لنا بالوقت المتبقي، لكننا لا نجد شيئاً من ذلك. إنها الحقيقة الصادقة التي صاغتها الكاتبة ديمة الشريف في عبارتها البليغة “الحياة اختبار بلا ورق”. هذا التعبير ليس مجرد مجاز لغوي عابر، بل هو مرآة تعكس ماهية الوجود الإنساني؛ فنحن منذ خروجنا إلى هذا العالم نُقاد إلى مقاعد اختبارات ممتدة، لا تُوزع فيها أوراق، ولا تُستخدم فيها أقلام، وإنما تُقاس النتائج بنبضات القلوب، ومقادير الصبر، وعمق الرضا.
يتجلى هذا الاختبار اليومي في تفاصيل صامتة لا يراها المحيطون بنا. يمر المرء بنا ويبتسم، بينما يخوض في أعماقه معركة شرسة في “اختبار الصحة”، حيث يغدو الجسد وهناً، وتصبح العافية أمنية غالية يتطلع إليها في كل شهيق وزفير. وفي زاوية أخرى، يلتف “اختبار الرزق” حول أعناق الكثيرين، لا ليعجزهم، بل ليمتحن يقينهم بالرزاق، وكيف تظل النفوس عزيزة بيضاء رغم قلة ما في اليد.
إن أصعب ما في هذه الاختبارات اللامرئية هو ذلك الانتظار الذي ينهش في جدران الروح؛ كمن يقف على رصيف الأيام يترقب قطار “الزواج” أو “الإنجاب”، يرى الأقران يمضون، ويظل هو في مكانه يصارع نظرات المجتمع وتساؤلات نفسه الصامتة. يطول الليل، وتتأخر الأمنيات، ليتحول هذا التأخير إلى مصفاة تنقي الإيمان وتصنع من الضعف الإنساني قوة خفية تُدعى التسليم.
ثم يأتي الوجع الأكبر الذي يهد الأركان؛ “فقدان الأحبة”. إنه الاختبار الذي ينزع قطعة من الروح ويواريها التراب، ويترك خلفه فراغاً لا يملؤه مخلوق. هنا تحديداً، يتجلى الاختبار بلا ورق في أبهى وأقسى صوره؛ فإما أن يسقط الإنسان في هاوية السخط والظلام، وإما أن يمسك بحبل الصبر، ملتجئاً إلى الدعاء الصادق: “اللهم اجعلنا في الابتلاء من الصابرين”. هذا الدعاء هو طوق النجاة، والاعتراف النبيل بأننا مجرد عابري سبيل في مدرسة كبرى، نرجو في نهايتها شهادة مرصعة بالرضوان والقبول.



