أعمارٌ ضاعت بين الخذلان والانتظار

فاطمة إبراهيم البلوي
هناك لحظاتٌ لا يبكي فيها الإنسان من شدّة الألم…
بل لأنّه أدرك أخيرًا أن الذين ظنّهم ظهره، كانوا أول من أثقلوا ظهره..
وأن الذين ظنّهم أمانه، كانوا أول من تركوه يواجه العاصفة وحده..
لحظاتٌ يشعر فيها أن الخذلان لم يأتِ من غريبٍ عابر..
ولا من عدوٍّ واضح الملامح..
بل جاء من الوجوه التي أحبها..
ومن الأسماء التي كان ينطقها مطمئنًا..
ومن القلوب التي ظنّ أنها ستبقى إلى جانبه مهما اشتدت الحياة..
كم هو موجعٌ أن تُظلَم من أهلك…
وأن تبحث عن الأمان بينهم فلا تجد إلا مزيدًا من الانكسار…
أن تمدّ يديك إلى إخوتك،لا طلبًا للكثير..
بل طلبًا لشيءٍ بسيطٍ اسمه “الرحمة”…
فتعود يداك فارغتين..
وقلبك أكثر وجعًا ووحدةً مما كان..
كم هو قاسٍ أن تكتشف أن بعض الروابط التي قدّستها..
وبعض العلاقات التي بذلت لها من عمرك وصبرك ومحبتك، لم تكن بالعمق الذي كنت تظنه…
وأنك كنت تقاتل وحدك من أجل أشياء لم يحاول غيرك الحفاظ عليها ولو مرة واحدة…
وكم هو مؤلمٌ أن تكتشف أن بعض الأصدقاء لم يكونوا سوى ظلالٍ مؤقتة…ظهرت في أوقات النور..
ثم اختفت حين اشتدّ الظلام..
وتركتك تواجه وحدك كل ما كنت تظن أنهم سيقاسمونك حمله..
وكأن كل ما منحته لهم من صدقٍ ووفاءٍ واحتواء لم يكن يعني شيئًا..
تتراكم الخيبات…
واحدةً تلو الأخرى..
حتى يصبح القلب متعبًا من الشرح..
مرهقًا من العتاب..
عاجزًا عن تبرير ألمه..
وعاجزًا حتى عن طلب الإنصاف من البشر..
يصل الإنسان إلى مرحلةٍ لا يعود فيها يبكي
لأنه يريد أن يُفهم..
بل لأنه أدرك أخيرًا أن لا أحد كان يريد أن يفهمه من الأساس…
نمضي أعمارًا طويلة ننتظر كلمةً تجبرنا..
واحتواءً يطمئننا..
ويدًا تمسك بنا حين نتعب..
لكننا نستيقظ ذات يوم على حقيقةٍ موجعة..
أن بعض الانتظار كان أطول من أعمارنا..
وأن بعض الخذلان كان أكبر من قدرتنا على الاحتمال…
وعندما تتعب الروح من البشر…
وتتساقط كل الأبواب التي ظنناها ملاذًا..
لا يبقى إلا بابٌ واحد..
بابٌ لا يُغلق..
ولا يردّ منكسرًا..
ولا يخذل باكيًا..
ولا يملّ من شكوى قلبٍ أثقلته الحياة..
فتهمس الروح بما همس به نبيّ الله من قبل:
﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾….
مغلوبون يا رب من قسوة الأقربين..
ومن جفاء الإخوة..
ومن خذلان الأصدقاء..
ومن أعمارٍ مضت ونحن ننتظر قلبًا يرحم..
وكلمةً تجبر..
ويدًا لا تتركنا في منتصف الطريق..
يا رب…
لسنا نشكو ضعفًا فيك..
بل نشكو ضعفنا أمام ما حملناه من وجع..
نشكو قلوبًا أرهقها الصبر..
وأرواحًا تعبت من التظاهر بأنها بخير..
وأحلامًا ذبلت وهي تنتظر من يلتفت إليها..
ودموعًا اعتادت السقوط بصمت حتى لا يراها أحد..
لقد تعلمنا متأخرين أن بعض الجراح لا يراها الناس..
وأن بعض الخيبات لا يسمع صداها إلا الله..
وأن الإنسان قد يعيش بين أهله وأحبته، لكنه يشعر بوحدةٍ لا يصفها الكلام…
فإن كان في الأرض ملجأٌ قد ضاق..
فإن في رحمتك متسعًا لكل هذا الألم..
وإن خذلنا كل من ظنناهم سندًا، فأنت وحدك السند الذي لا يميل..
والرحمة التي لا تنفد..
والباب الذي لا يُغلق..
فدعا ربه:
﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾،
لأن بعض المعارك لا تُحسم بالقوة..
ولا تنتهي بالعتاب..
ولا يجبره اعتذار..
بل يحسمها دعاءٌ صادق..
خرج من قلبٍ أنهكه الظلم..
وأتعبه الانتظار..
ولم يجد بعد الله أحدًا…



