العشقُ المستحيل… حين يختار الإنسانُ الوهمَ وطنًا بديلًا عن الحقيقة

 

بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

أشدُّ أنواع السجون قسوة، هو ذلك السجن الذي تشيد جدرانه بنفسك، وتسميه: العشق المستحيل.

لطالما تغنَّى الأدباء والشعراء بما يُسمَّى «العشق المستحيل»، حتى غدا في أذهان الكثيرين رمزًا للحب الخالد، وأسطورةً نُزيِّنها بالشعر ونُكلِّلها بالدموع. غير أن التأمل الهادئ يكشف حقيقةً مغايرة؛ فليس كل عشقٍ وُصف بالمستحيل كان ضحيةً للقدر، ولا كل علاقةٍ لم تكتمل كانت رهينةً للظروف، بل إن كثيراً من تلك الحكايات لم تنهزم أمام وطأة المستحيل، وإنما تهاوت وعجزت عند أول اختبارٍ حقيقي للواقع. وإن الفحص النفسي الدقيق يُبين أن الإنسان، في أحايين كثيرة، لا يهرب من المستحيل ذاته، بل يفرُّ من تبعات الحقيقة؛ فالحقيقة تتطلب حسمًا، وتستلزم مسؤولية، وتستدعي شجاعةً قد لا يملكها الجميع، أما الوهم فيمنح صاحبه مساحةً رحبةً للحلم، ويوفر له رفاهية الانتظار، ويُبقي مشاعره بمنأى عن الاختبار؛ فلا خسارة تُؤلمه، ولا رفض يجرح كرامته، ولا التزام يطوق عنقه بما لا يرغب فيه.

من هنا، يتحول «العشق المستحيل» عند بعض النفوس من مأساة فرضها القدر إلى وطن نفسي آمن وملاذ مريح يلوذون به سنواتٍ طويلة؛ ينسجون من الذكريات قصائد، ومن الأمنيات حكايات، ومن الانتظار بطولةً يتباهون بها، بينما تظل الحياة الحقيقية تمضي من حولهم دون أن يعيروها نصيبًا من مشاركتهم. وفي عالم الخيال والبروج العاجية، يبدو المحبوب كاملًا لا يعتريه نقص، جميلًا لا تشوبه شائبة، قريبًا من الروح وإن نأت المسافات؛ لأن المشاعر هناك بقيت نقيَّة لم تُدنِّسها تفاصيل الحياة اليومية، ولم تُرهقها أعباء الواقع. أما حين ينتقل الحب إلى أرض الواقع، فإنه يصطدم باختلاف الطباع، وتحديات الحياة، وثقل المسؤوليات، وحينها ينجلي الفرق الجوهري بين من أحبَّ إنسانًا حقيقيًّا بوعيه، ومن أحبَّ صورةً هلامية رسمها خياله؛ إنهم في الواقع يعشقون “الاحتمال” وفكرة الحب، لا الحقيقة ذاتها.

إن الحب الصادق لا يختبئ خلف الأعذار، ولا يجعل من الظروف شماعةً يعلِّق عليها عجز صمته، ولا يقف عند الأبواب المغلقة باكيًا مستسلمًا، بل هو عاطفة حية تسعى، وتجتهد، وتطرق الأبواب، وتستنفد الأسباب المشروعة، وتقاتل بشرف ما دامت أبواب الأمل مواربة، وتترجم الوعود إلى مواقف وسلوك ملموس. فإن وجدت سبيلًا مضت إليه بعزم، وإن أُغلقت السبل وحالت الأقدار دون المراد بعد بذل الجهد، سلَّمت بقضاء الله تعالى ومضت بقلبٍ مطمئن ومرفوع الرأس، دون أن تحوِّل عجزها إلى أسطورةٍ تجترّها بقية العمر. أما الاختباء خلف عبارة «كان حبنا مستحيلًا» وتقديس العوائق، فليس دليلاً على سموِّ المشاعر دائمًا، بل قد يكون أحيانًا تعبيرًا مبطنًا عن الخوف؛ الخوف من اكتشاف أن هذا الحلم لو أصبح واقعًا ملموسًا، لتلاشى ذلك الكمال الساحر الذي رسمته له المخيلة. إن أخطر ما يصنعه الوهم أنه يمنح الإنسان شعورًا زائفًا بالوفاء، بينما يسرق منه قطار العمر بصمت؛ فيبقى أسير علاقةٍ لم تبدأ، أو ذكرى لم تُختبر، أو حلمٍ لم يملك الشجاعة ليمنحه فرصة الحياة، ليكتشف متأخرًا أن أكثر ما كان ينقصه ليس الحب، بل الجرأة على اتخاذ القرار.

إن الحب الذي يستحق الخلود لا يُقاس بكمية الدموع، ولا بطول الانتظار، ولا بجمال الكلمات المخفية في الأدراج، وإنما يُقاس بصدق المواقف، وشرف السعي، ونبل المقاصد، وامتلاك شجاعة المواجهة، أو نبل الرحيل حين يصبح الرحيل هو الخيار الكريم الوحيد. وليس المقصود من هذا التحليل إنكار وجود ظروفٍ قاهرة وأقدارٍ غلابة قد تحول بين قلبين متحابين، فالأقدار ماضية، والله سبحانه وتعالى يقدِّر لعباده ما يشاء، ولكن الشتان شاسع والبون كبير بين من بذل كل ما في وسعه ثم حالت الأقدار بينه وبين مراده، وبين من اتخذ من كلمة «المستحيل» ستارًا يُواري خلفه خوفه من التضحية وتردده في المواجهة.

والحياة في خطها المستقيم لا تُبنى على الأمنيات، ولا تُكافئ من يعتزلها داخل الأبراج العاجية، بل تُصنع وتزدهر بالشجاعة، والصدق، والعمل، وحسن التوكل على الله تعالى. فالعشق المستحيل، في كثيرٍ من صوره، ليس قدرًا حتميًّا لا يُدفع، بل هو اختيارٌ مريح يجنح إليه من يخشى مواجهة الحب الحقيقي وتكاليفه. أما الحب الصادق، فلا يقتات على الأعذار ولا يكتفي بالأحلام، بل يصنع من الصدق طريقًا، ومن الشجاعة جسرًا، ومن الوفاء منهجًا. فإذا تعذَّر اللقاء بعد استنفاد كل الأسباب، بقيت الكرامة أجمل من الانتظار، وغدت الحكمة أعظم من التعلق بوهمٍ لا يمنح القلب إلا سرابًا، ولا يورث الروح إلا مزيدًا من الظمأ. وحينها يرضى المؤمن ويُسلّم، ويمضي في حياته كريم النفس، ثابت القلب، مؤمنًا بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وأن أجمل قصص الحب ليست تلك التي تُروى كأساطير عابرة، بل تلك التي تُبنى على الصدق، وتُزيَّن بالوفاء، وتُحفظ بالكرامة والأنفة.

سؤال للنقاش الختامي:

*ضع يدك على قلبك واسألها بصدق: هل ما زلت تنتظر حباً حال القدر دونه، أم أنك تختبئ في وطن “المستحيل” خوفاً من وعورة الواقع؟ تكرما ترسل الإجابة على البريد الإلكتروني [email protected]

#علم_النفس_العاطفي #الدكتور_عثمان_آل_عثمان #العشق_المستحيل #مواجهة_الواقع. #صناعة_القرار #مقال_اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى