المحافظات الصغيرة… كنز المواهب الذي ينتظر من يكتشفه

الدكتور رشيد بن عبدالعزيز الحمد
حين نتحدث عن المملكة العربية السعودية، فإننا نتحدث عن وطن مترامي الأطراف، أشبه بقارة في اتساعه وتنوعه. فمن الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، تتوزع المناطق والمحافظات والمراكز والقرى، ويعيش فيها ملايين الشباب والشابات الذين يملكون طاقات ومواهب تستحق أن تُكتشف وتُرعى.
ورغم ما تحقق من تطور كبير في برامج اكتشاف الموهوبين، فإن الواقع يؤكد أن كثيرًا من المواهب ما زالت بعيدة عن دائرة الاهتمام، ليس لضعف إمكاناتها، وإنما لبعدها الجغرافي عن مراكز القرار أو عن المؤسسات التي تتولى اكتشافها وصقلها.
لقد أثبت التاريخ الرياضي في المملكة أن البطل لا يولد في مدينة كبرى بالضرورة، بل قد ينطلق من محافظة صغيرة أو مركز هادئ. فقد أنجبت الأحساء، والحريق، وحوطة بني تميم، والخرج، والقصيم، والمدينة المنورة، وجازان، وبيشة، ونجران ًوحائل والشرقية وجدة، وغيرها من مناطق ومحافظات المملكة، أبطالًا تركوا بصماتهم في مختلف الألعاب، ورفعوا اسم المملكة في المحافل الإقليمية والدولية. وما كان ذلك إلا لأنهم وجدوا في مرحلة من حياتهم من اكتشف موهبتهم، وآمن بقدراتهم، وفتح لهم أبواب الفرصة.
وهذه الحقيقة لا تقتصر على الرياضة وحدها، بل تمتد إلى مجالات العلم، والثقافة، والابتكار، والفنون، وريادة الأعمال. فالموهبة لا ترتبط بمكان، ولا تعرف حدودًا جغرافية، وإنما تحتاج إلى عين خبيرة تكتشفها، وبيئة حاضنة تنميها، وفرصة عادلة تمنحها الانطلاقة.
ومن هنا، فإن مسؤولية اكتشاف المواهب يجب ألا تظل محصورة في المدن الكبرى، بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع وطني شامل، تشارك فيه الوزارات والاتحادات الرياضية والأندية والجامعات والمدارس، من خلال برامج ميدانية منتظمة، تصل إلى كل محافظة ومركز وقرية، وتبني قواعد بيانات للمواهب الواعدة، وتتابعها حتى تبلغ مرحلة التميز.
إن الاستثمار الحقيقي ليس في المنشآت وحدها، بل في الإنسان. وهذا ما أكدته رؤية المملكة 2030، التي جعلت تنمية القدرات البشرية أحد أهم مرتكزاتها. وكلما اتسعت دائرة البحث عن الموهوبين، ازدادت فرص الوطن في صناعة أبطال، ومبتكرين، ومبدعين، يسهمون في تحقيق مستهدفات الرؤية، ويعكسون صورة المملكة المشرقة في مختلف المحافل.
إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل لدينا مواهب؟ فهذا أمر لا شك فيه. وإنما السؤال الأهم هو: هل وصلنا إلى جميع المواهب؟
أعتقد أن الإجابة ما زالت تحتاج إلى مزيد من العمل، لأن في المحافظات الصغيرة كنوزًا بشرية لم تُكتشف بعد، ولو أُتيحت لها الفرصة، لربما فاقت كثيرًا من التوقعات.
إن مستقبل المملكة لن يُصنع في العواصم والمدن الكبرى وحدها، بل في كل محافظة، وكل مركز، وكل قرية، حين تتكافأ الفرص، ويصل الاهتمام إلى الجميع دون استثناء.
فالموهبة لا تسأل أين وُلدت… وإنما تنتظر من يؤمن بها



