سلسلة حياتك السعيدة المقال (30): حسنُ الخاتمةِ.. ثمرةُ العملِ الصالحِ والنيّةِ الصادقةِ

بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
مقدمة المقال:
حُسنُ الخاتمةِ ليس أمنيةً نُردِّدها، ولا لحظةً ننتظرها في نهاية العمر، بل هو ثمرةُ حياةٍ عاشها الإنسانُ في طاعةِ اللهِ تعالى، وجاهد فيها نفسَه، وأخلص نيّتَه، وأحسن إلى خالقِه وخلقِه.
فالأعمالُ بالخواتيم، والإنسانُ يُختَم له بما اعتاد عليه في حياته؛ ولذلك فإن أجملَ ما يستعدُّ به المؤمنُ للقاءِ ربِّه سبحانه وتعالى: قلبٌ سليم، وعملٌ صالح، وتوبةٌ صادقة، وحقوقٌ محفوظة، وأثرٌ طيّبٌ يبقى بعد الرحيل.
وحُسنُ الخاتمةِ لا يعني أن تكون حياةُ الإنسان خاليةً من الأخطاء والابتلاءات، وإنما أن يظلَّ قلبُه راجعًا إلى اللهِ تعالى، مستمسكًا برحمتِه، مجتهدًا في إصلاحِ نفسِه، حتى يلقى اللهَ تعالى وهو يرجو فضلَه ورحمتَه.
السعادةُ الحقيقيةُ أن تستعدَّ للقاءِ اللهِ تعالى بقلبٍ مطمئن، ونفسٍ راضية، وعملٍ صالح، وأثرٍ نافع.
تأملات (291–300)
291. الثقةُ باللهِ تعالى تمنحُك الأملَ عند ضيقِ المخارجِ.
فإذا ضاقت بك السُّبلُ في الأرض، فلا تظنَّ أن الأبوابَ قد أُغلقت؛ فإن بابَ السماءِ مفتوحٌ بالدعاءِ واليقينِ وحُسنِ الظنِّ باللهِ سبحانه وتعالى، وقد يأتي الفرجُ من حيث لا تحتسب.
292. الهدوءُ النفسيُّ يصنعُ القيادةَ الواعيةَ.
فالقائدُ الهادئُ لا ينقلُ قلقَه إلى من حوله، بل يبثُّ الطمأنينةَ في فريقِه، ويتخذُ قراراتِه بوعيٍ واتزان، ويصلُ إلى النتائجِ بأقلِّ اضطرابٍ وأكبرِ أثر.
293. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُك القدرةَ على تقبُّلِ تغيُّرِ الأحوالِ.
فالدنيا لا تثبتُ على حال، والرضا لا يعني الاستسلامَ للواقع، بل يعني أن تعملَ بالأسبابِ وقلبُك مطمئنٌّ إلى حكمةِ اللهِ تعالى؛ فالرضا مرساةٌ تحفظُ القلبَ من الغرقِ في بحرِ القلق.
294. السكينةُ القلبيةُ ثمرةٌ لتركِ التصنُّعِ والرياءِ.
عندما تكون صادقًا مع اللهِ تعالى ومع نفسك، لا تحتاجُ إلى ارتداءِ الأقنعةِ لإرضاءِ الناس. فالعفويةُ الصادقةُ والوضوحُ الجميلُ يحرِّرانِ الروحَ من عناءِ التكلُّف، ويمنحانِها راحةً لا تُشترى.
295. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُك نورَ البصيرةِ.
فلا تقفُ عند ظواهرِ الأشياء، ولا تنخدعُ بزخارفِ الدنيا، بل تنظرُ بعينِ الوعيِ إلى ما ينفعُك في دينِك ودنياك، وتدركُ أن ما عند اللهِ تعالى خيرٌ وأبقى.
296. صفاءُ القلبِ وإخلاصُ النيّةِ يصنعانِ أثرًا يتجاوزُ عمرَ الإنسان.
فالعملُ الذي يُبتغى به وجهُ اللهِ تعالى قد يبقى أثرُه بعد رحيلِ صاحبه؛ وربما لا يعرفُ الناسُ اسمَه، ولكن يعرفون أثرَه. فليكن همُّك أن تتركَ خلفَك خيرًا يُذكَر، ونفعًا يُنتفعُ به، ودعوةً صادقةً لا تنقطع.
297. الامتنانُ للهِ تعالى يحفظُ الروحَ من الانشغالِ بما فَقَدَت.
فالشاكرُ لا ينكرُ ما يؤلمه، لكنه لا يسمحُ للمفقودِ أن يحجبَ عنه الموجود. وكلما تأملتَ نعمَ اللهِ تعالى عليك، اتسعَ قلبُك للرضا، ورأيتَ في تفاصيلِ حياتِك أبوابًا كثيرةً من الرحمة.
298. الوعيُ باللهِ تعالى يُهذِّبُ رغبةَ الانتقامِ ويطهّرُ القلبَ من الغِلِّ.
لا تجعلْ أخطاءَ الآخرين تسكنُ قلبَك طويلًا؛ خذْ حقَّك بالطرقِ المشروعةِ إن لزم، ثم اتركْ مساحةً للعفوِ والتجاوزِ والإصلاح. فالقلبُ الذي يطلبُ السكينةَ لا يليقُ به أن يحملَ أوزانَ الكراهية.
299. السعادةُ الحقيقيةُ تظهرُ في السكينةِ التي ترافقُ التوبةَ النصوحَ.
فالتوبةُ ليست نهايةَ الطريق، بل بدايةٌ جديدةٌ مع اللهِ تعالى. وحين يعودُ الإنسانُ إلى ربِّه بصدق، يشعرُ أن الماضي، مهما كان مؤلمًا، لا يمنعُه من صناعةِ مستقبلٍ أجملَ بالطاعةِ والعملِ الصالح.
300. كلُّ قضاءٍ من اللهِ تعالى يحملُ حكمةً قد لا تدركُها في لحظتِها.
فثقْ بحكمةِ اللهِ تعالى، وابذلْ وسعَك، وارضَ بما كتبَ اللهُ لك، ولا تجعلْ تأخُّرَ ما تريدُ سببًا لسوءِ الظنِّ بربِّك. فقد يكونُ المنعُ حمايةً، والتأخيرُ تهيئةً، والابتلاءُ تربيةً، وما لا تراه اليومَ قد تدركُ حكمتَه غدًا.
وقفةٌ مع حُسنِ الخاتمةِ
حُسنُ الخاتمةِ يبدأ من حُسنِ الحياةِ.
فلا تنتظرْ آخرَ الطريقِ لتبدأ الاستعداد؛ ابدأ من اليوم: أصلحْ صلاتَك، ونقِّ قلبَك، وأدِّ حقوقَ الناس، وأكثرْ من الاستغفار، وأحسنْ إلى والديك وأهلِك ومن حولك، واجعلْ لك نصيبًا من الصدقةِ والدعاءِ وقراءةِ القرآنِ والعملِ الذي يبقى نفعُه.
واسألْ نفسَك كلَّ ليلة:
لو كانت هذه الليلةُ آخرَ ليلةٍ في عمري، فما العملُ الذي أتمنى أن أُختَمَ به حياتي؟
ثم لا تؤجِّلْ ذلك العمل
فالعمرُ صفحاتٌ تُطوى، والأيامُ تمضي، وما يبقى للإنسانِ ليس طولُ السنين، وإنما صدقُ العمل، ونقاءُ القلب، وجمالُ الأثر.
مشروعَ الخاتمةِ الحسنةِ»، ويبدأ فيه من اليوم عبر خمسِ خطوات:
1. عملٌ خفيٌّ بينك وبين اللهِ تعالى:
اجعلْ لك طاعةً لا يعلمُ بها أحد، تحفظُ بها إخلاصَك وتقرِّبُك من ربِّك.
2. حقٌّ تُعيدُه إلى صاحبِه:
لا تؤجِّلْ ردَّ مظلمةٍ، أو أداءَ أمانةٍ، أو الاعتذارَ ممّن أخطأتَ في حقِّه.
3. قلبٌ تُنقِّيه:
سامحْ، واستغفرْ، واتركِ الغِلَّ والحسدَ والانتقامَ ما استطعت.
4. أثرٌ يبقى بعدك:
علِّمْ علمًا، أو ساهمْ في عملٍ خيري، أو ساعدْ محتاجًا، أو ازرعْ قيمةً جميلةً في إنسان؛ فالأثرُ الطيّبُ من أجملِ ما يُتركُ بعد الرحيل.
5. دعاءٌ لا يفارقُ قلبَك:
اسألِ اللهَ تعالى دائمًا الثباتَ على الطاعة، وحُسنَ الخاتمة، وأن يلقاكَ وهو راضٍ عنك.
خاتمة المقال:
في نهايةِ الطريق، لا يتمنى الإنسانُ مزيدًا من المالِ ولا كثرةَ الشهرة، وإنما يتمنى قلبًا مطمئنًّا، وعملًا صالحًا، وحقوقًا أدّاها، وقلوبًا لم يؤذِها، وأثرًا طيّبًا تركَه خلفَه.
وحُسنُ الخاتمةِ ليس أن تعرفَ متى سترحل، وإنما أن تعيشَ كلَّ يومٍ وكأنك تريدُ أن تلقى اللهَ تعالى وهو راضٍ عنك.
فابدأ من اليوم، ولا تؤجِّلِ التوبةَ، ولا تؤخِّرِ الإحسانَ، ولا تنتظرْ مناسبةً لتقولَ كلمةً طيّبة، ولا تجعلْ في قلبِك حقًّا لأحدٍ وأنت قادرٌ على أدائه.
اللهم أحسنْ خاتمتَنا، وثبِّتْنا على طاعتِك، وارزقنا صدقَ النيّةِ، وصلاحَ العملِ، وسلامةَ الصدرِ، وحُسنَ الأثرِ، واجعلْ آخرَ كلامِنا من الدنيا شهادةَ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، واختمْ لنا برضاك ورحمتِك، واجمعْ لنا بين خيرِ الدنيا ونعيمِ الآخرة.
وتذكّر دائمًا:
ليست العبرةُ بكيف بدأتَ الطريق، وإنما بكيف تمضي فيه، وبما تحبُّ أن تلقى اللهَ تعالى عليه.
فاجعلْ خاتمتَك دعاءً، وحياتَك عملًا، وقلبَك للهِ تعالى، وأثرَك في الناسِ خيرًا.
نلتقي بكم يوم الخميس القادم بإذن الله تعالى في تأمُّلٍ جديدٍ من «سلسلة حياتك السعيدة».



