أكاديمي عاشق للمتاحف.. تلك قصة البروفيسور أحمد الحسين

الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– هناك شخصيات أكاديمية لا تنتهي حكايتها عند حدود الجامعة، ولا تختصرها الألقاب العلمية أو المناصب التي تقلدتها، لأن شغفها بالمعرفة يتجاوز التخصص إلى مجالات أوسع، ويظل صاحبها يبحث عن مساحات جديدة يمكن أن يوظف فيها علمه وخبرته لخدمة وطنه ومجتمعه.
ومن هذه الشخصيات الأستاذ الدكتور أحمد بن محمد سعد الحسين، أستاذ المناهج العامة وطرق التدريس، والمتخصص في الدراسات الاجتماعية والوطنية والأسرية وتطوير التعليم.
قد يعرفه كثيرون أستاذًا جامعيًا وباحثًا ومتخصصًا في المناهج، وربما يعرفه آخرون من خلال أعماله في تطوير التعليم والجودة والاعتماد الأكاديمي والتعلم الإلكتروني ومراجعة الكتب والمناهج الدراسية، لكن هناك جانبًا آخر في شخصيته يستحق أن نتوقف عنده: علاقته بالمتاحف والتراث والثقافة، وشغفه بأن تتحول المعرفة إلى تجربة يعيشها الإنسان لا مجرد معلومات يقرأها.
وهذا الشغف ليس بعيدًا عن تكوينه الأكاديمي؛ فالدراسات الاجتماعية والوطنية والجغرافية التي تخصص فيها تفتح أبوابًا واسعة لفهم التاريخ والمكان والإنسان والموروث، وهي جميعًا عناصر تتقاطع بصورة مباشرة مع رسالة المتاحف الحديثة.
وعندما أتأمل السيرة العلمية والمهنية للدكتور أحمد الحسين، أجد أمامي تجربة ثرية امتدت في الجامعة ووزارة التعليم ومجالات المناهج والتدريب والاستشارات والجودة وتطوير التعليم والعمل المجتمعي. كما شارك في فرق علمية ومشروعات متعددة مرتبطة بالمناهج والكتب المدرسية والهوية الوطنية والدراسات الاجتماعية، وهي خبرات يمكن أن تجد لها مجالًا واسعًا في قطاع الثقافة والمتاحف.
وهنا يأتي السؤال الذي أطرحه بكل محبة وتقدير:
لماذا لا نستفيد من هذه الخبرات في قطاع المتاحف والثقافة والسياحة؟
فنحن اليوم نعيش مرحلة ثقافية وسياحية مختلفة، أصبحت فيها المتاحف جزءًا من صناعة الوعي، والتعليم، والاقتصاد الثقافي، والتعريف بتاريخ المملكة ومناطقها وشخصيتها الحضارية.
والمتحف الناجح لم يعد مجرد قاعات تعرض مقتنيات خلف الزجاج؛ بل أصبح قصة تُروى، وتجربة تُعاش، ومعرفة تُقدّم بطريقة تجذب الطفل والشاب والأسرة والزائر والسائح.
وهنا تحديدًا يمكن أن تقدم خبرة أكاديمية متخصصة في المناهج والتعلم والتعليم قيمة إضافية؛ فالمتحف في جانب مهم منه بيئة تعليمية مفتوحة، تحتاج إلى تصميم التجربة، وبناء المحتوى، وتحديد الفئة المستهدفة، وربط المعروضات بالمعرفة، وتحويل الزيارة إلى رحلة تعليمية وثقافية ممتعة.
ولذلك فإنني أرى أن خبرة الدكتور أحمد الحسين تستحق أن تكون محل نظر واستفادة من الجهات المعنية، وعلى وجه الخصوص وزارة الثقافة، ووزارة السياحة، وهيئة المتاحف، كلٌ فيما يخصه، سواء من خلال الاستشارات أو اللجان المتخصصة أو المشروعات التطويرية أو البرامج المرتبطة بالمحتوى التعليمي والثقافي للمتاحف.
ولست هنا بصدد ترشيح شخص لمنصب، فالمناصب لها معاييرها وإجراءاتها، وإنما أتحدث عن مبدأ أوسع:
لدينا خبرات وطنية راكمت العلم والتجربة على مدى عقود، ومن المهم أن نضعها في المكان الذي يمكن أن تحقق فيه أكبر أثر.
والدكتور أحمد الحسين واحد من هذه الكفاءات التي يمكن أن يستفاد منها في تطوير العلاقة بين التعليم والمتاحف والثقافة، خصوصًا في ظل التوسع الكبير الذي تشهده المملكة في المتاحف والمواقع الثقافية والسياحية.
وقد يكون من المفيد أن نعيد التفكير في المتحف بوصفه شريكًا للمدرسة والجامعة، وليس مكانًا للزيارة فقط؛ وأن نصنع برامج مشتركة تجعل الطالب يتعلم التاريخ والجغرافيا والوطنية والتراث من خلال المشاهدة والتجربة والحوار، لا من خلال الكتاب وحده.
وهنا يمكن أن يكون لأمثال الدكتور أحمد الحسين دور مهم.
إنني أؤمن أن تكريم الخبرات الوطنية الحقيقي لا يكون فقط بالثناء عليها، وإنما بإتاحة الفرصة لها لتقديم ما لديها من علم وتجربة.
والدكتور أحمد الحسين، في رأيي، يمثل نموذجًا للأكاديمي الذي لم يتوقف شغفه عند قاعة المحاضرة، بل ظل يبحث عن المعرفة في كل مكان، ويؤمن بأن التعليم والثقافة والتراث حلقات متصلة في بناء الإنسان.
لذلك كتبت عنه اليوم لا لأضيف لقبًا جديدًا إلى سيرته الطويلة، وإنما لأقول للجهات المعنية:
استفيدوا من خبرات أبنائكم.
ففي جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية والثقافية كفاءات وطنية عاشت مراحل التحول، وتعرف كيف كان التعليم، وكيف أصبح، ويمكنها أن تسهم بخبرتها في صناعة ما سيكون عليه غدًا.
وهذه قصة أكاديمي أحب التعليم، وأحب المعرفة، ويبدو أنه وجد في المتحف مساحة أخرى ليواصل عشقه.
إنه البروفيسور أحمد الحسين.. أكاديمي عاشق للمتاحف.



