السادسة والتسعون.. حين تحوّل التوحيد إلى فكرة تنموية

بقلم: أ.د. محمد بن عوض الأسمري
بروفيسور إدارة وتخطيط برامج التعليم المستمر – جامعة تبوك
ستة وتسعون عاماً، والمسافة ليست بين تاريخين، بل بين فكرتين: فكرة الصحراء التي كانت تُرى فراغاً، وفكرة الدولة التي رأت في الفراغ مجالاً للامتلاء بالمعنى.
لم يكن التوحيد على يد الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – إجراءً جغرافياً برسم الحدود، بل كان فعلاً أنطولوجياً بإعادة تعريف الإنسان في هذه الأرض. وحّد القلوب قبل أن يوحّد المدن، وزرع الطمأنينة قبل أن يبني المؤسسات. ومنذ تلك اللحظة، أدركنا أن الاستقرار ليس نقيض الحركة، بل شرطها. وأن الأمن ليس غياب الخوف، بل حضور المعنى.
واليوم، ونحن نقف على عتبة الـ 96، ندرك أننا لا نحتفل بذكرى، بل نختبر فكرة: هل ما زالت الفكرة الأولى قادرة على إنتاج المستقبل؟
جاءت رؤية المملكة 2030 لتجيب بلا تردد. لم تقل إن لدينا نفطاً نبيعه، بل قالت إن لدينا إنساناً نستثمره. وفي العبارة الملهمة لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – “ثروتنا الأولى شعب طموح معظمه من الشباب”، انقلبت معادلة الثروة في الوعي الوطني. لم تعد الثروة ما يُستخرج، بل ما يُستنهض.
ولهذا لم يكن برنامج تنمية القدرات البشرية أحد برامج الرؤية، بل كان قلبها النابض. 89 مبادرة لا تُقرأ كرقم إحصائي، بل كنسيج متكامل أراد أن يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والدولة، وبين التعليم والحياة.
قام البرنامج على ثلاث ركائز تبدو بسيطة في لفظها، عميقة في أثرها:
أولاها: أساس تعليمي مرن، ينتقل بالمتعلم من الحفظ إلى الفهم، ومن التلقين إلى التفكير النقدي.
وثانيها: إعداد مبكر ومنهجي لسوق العمل، لا ينتظر تخرج الطالب ليسأله ماذا تتقن، بل يرافقه منذ البداية ليبني مهارة قابلة للحياة.
وثالثها: إتاحة التعلم المستمر مدى الحياة، اعترافاً بأن الشهادة لم تعد نهاية الطريق، بل تذكرة الدخول إليه.
وانبثقت من هذا التصور منظومة من المبادرات التي لمسناها واقعاً: من أكاديمية سدايا التي تفتح بوابات الذكاء الاصطناعي، إلى الأكاديمية السعودية الرقمية و برامج مهارات المستقبل، إلى منصات دروب وتمهير، والبرامج الجامعية القصيرة، والمجالس المهارية القطاعية التي أوجدت حواراً غير مسبوق بين قاعة الدرس ومصنع العمل، وبين مناهج التعليم واحتياجات قطاعات الأمن السيبراني والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية.
والنتيجة التي نراها بهدوء، لا بضجيج: شاب سعودي لم يعد يطرق باب الوظيفة، بل يصنع الباب.
شاب يكتب كوداً برمجياً في الصباح، ويقرأ الشعر في المساء. يحلل بيانات ضخمة، ويستحضر قيم القبيلة في الكرم والنجدة. يمثل المملكة في أعرق جامعات العالم، ثم يعود ليؤسس شركة ناشئة في مناطق عدة. يقود مشروعاً في السياحة، أو يبتكر حلاً في الترفيه، أو يحرس الفضاء الرقمي للوطن. هذا التوازن الدقيق بين الأصالة والمعاصرة، بين الجذور والأجنحة، هو ما يجعل التجربة السعودية غير قابلة للاستنساخ.
إن ما فعلته القيادة ليس أنها وفّرت وظائف، بل أنها وفّرت معنى للعمل. ولم تعِد الشباب بمستقبل سهل، بل بمستقبل يستحق أن يُصنع.
في ذكرى التوحيد السادسة والتسعين، ندرك أن الوطن ليس مساحة نعيش فيها، بل فكرة تعيش فينا. وأن العز ليس نشيداً نردده في المناسبات، بل طبعٌ يتجلى في انضباط مهندس، وأمانة معلم، وإبداع طالب، ووفاء جندي.
حفظ الله وطناً بدأ بتوحيد الكلمة، واليوم يوحّد العالم حول كلمته.
*دام عزك يا وطن.. وعزنا بطبعنا.*



