إحياء أملاك الأسر المندثرة والقديمة

بقلم ✍️ راشد بن محمد الفُعيم
تُعدُّ مبادرة إحياء الأملاك القديمة، من قصورٍ ومنازل ومزارع هجرها أهلها عبر السنين، من أجمل المبادرات الاجتماعية التي تستحق الإشادة والدعم. فهذه الأملاك لم تُهجر إلا لأسباب متعددة، من أبرزها الانتقال من القرى إلى المدن، أو كثرة الورثة، أو ارتفاع تكاليف الترميم، ودخول ورثة من خارج الأسرة عن طريق المصاهرة، مما أدى في كثير من الأحيان إلى الإهمال، وضياع تلك المعالم التي تحمل تاريخ الأسر وذكريات الآباء والأجداد.
ومع ذلك، ولله الحمد والمنة، برزت فئة من الرجال المخلصين الذين آمنوا بقيمة هذا الإرث، فتحملوا المشقة والعناء، وأنفقوا من أموالهم وأوقاتهم، ولم يلتفتوا إلى القيل والقال، رغبةً في إحياء تاريخ أسرهم والمحافظة على تراثهم، ليبقى شاهدًا للأجيال القادمة.
وقد شهدت منطقة القصيم، وتحديدًا محافظة الشماسية، تجربةً رائدة تستحق أن تُروى، وهي عودة عددٍ من الأسر إلى إحياء أملاكها القديمة وتحويلها إلى ملتقياتٍ اجتماعية تُحيي صلة الرحم وتجمع أفراد الأسرة.
ومن أبرز هذه النماذج المباركة ما قامت به أسرة الفُعيم؛ حيث كانت البداية بمبادرة كريمة من الأستاذ عبد الرحمن بن عبد الله بن صالح الفُعيم، الذي تولى تنظيف وترتيب قصر الفُعيم الأثري واستقبال الأصدقاء والزوار فيه، فكانت هذه المبادرة الشرارة الأولى التي أعادت الحياة إلى القصر بعد سنواتٍ من الهجر.
وعندما شاهد عميد الأسرة، سليمان بن محمد الفُعيم -رحمه الله- ما أصبح عليه القصر، بادر إلى تحمل نفقات ترميمه وتأهيله، حتى أصبح رمزًا لأسرة الفُعيم، ومكانًا يجتمع فيه الأقارب والأصدقاء، ومزارًا لكل من يهتم بالتراث والتاريخ. نسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناته، وأن يجزيه خير الجزاء.
ومن المبادرات المضيئة كذلك ما أشار به عميد الأسرة العم صالح حمود الفُعيم -رحمه الله-، حين دعا إلى جعل العلوة ملتقىً لأبناء الأسرة. فاستجاب عددٌ من شباب الأسرة لهذه الفكرة، وأحيوا المكان بحضورهم الدائم واجتماعاتهم المتواصلة، حتى أصبح نابضًا بالحياة بعد أن كان مهجورًا.
وبعد نحو ثلاثين عامًا من استمرار اجتماعات الأسرة ومناسباتها فيه، واصل ابنُه سليمان بن عبد الله الفُعيم مسيرة التطوير، فأجرى تحسيناتٍ وترميماتٍ إضافية، حتى أصبح الموقع في أبهى صورة.
وكان لهذه الأعمال المباركة دعمٌ كريم من فضيلة الشيخ محمد بن سليمان الفُعيم (أبو البراء) حفظه الله، الذي تكفل بتكاليف الترميم، فجزاه الله خير الجزاء، وجعل ما بذله في ميزان حسناته.
وأصبحت العلوة -ولله الحمد- مقرًا دائمًا لاجتماعات الأسرة، ومكانًا للتعارف بين أبناء العمومة وأبناء العمات، وإحياء المناسبات والأعياد، مما أسهم في تقوية أواصر المحبة وصلة الرحم بين الجميع.
ولم تقتصر هذه المبادرات على أسرة الفُعيم، بل شهدت الربيعية نماذج مشرقة أخرى؛ فقد أحيا الأستاذ عبد العزيز السعيد (أبو عمر) قصر السعيد، وأصبح أحد المزارات المشهورة في مركز الربيعية، وتقام فيه المناسبات الخاصة والعامة.
كما أعادت أسرة النغيمشي إحياء قصر لوذة، حتى أصبحت تلك القصور ملتقياتٍ أسرية تُقام فيها الاجتماعات والمناسبات والأعياد، في صورةٍ مشرقة تعكس أصالة المجتمع السعودي وحرصه على المحافظة على موروثه.
إن إحياء هذه الأملاك ليس مجرد ترميمٍ لجدرانٍ قديمة، بل هو إحياءٌ للتاريخ، وربطٌ للأجيال بماضيها، وحفظٌ للهوية، وتعزيزٌ لصلة الرحم، وغرسٌ لقيم الوفاء للآباء والأجداد. كما أنه يسهم في المحافظة على التراث العمراني، ويجعل هذه المواقع شواهد حية على تاريخ الأسر والمجتمعات.
وإننا نأمل أن تنتشر هذه التجربة في جميع مناطق المملكة العربية السعودية، وأن تبادر كل أسرة إلى المحافظة على قصورها ومزارعها ومنازلها التاريخية، لما في ذلك من فوائد اجتماعية وثقافية ووطنية عظيمة.
ومما يؤسف له أن بعض أصحاب النفوس الضعيفة يحاولون الوقوف في وجه هذه المبادرات، فيثبطون الهمم، ويحاربون أصحاب الخير، ويسعون إلى إفساد كل عملٍ نافع بدافع الحسد أو المنافسة غير الشريفة، ويحاولون إبعاد الناس عن أهل المبادرات والإصلاح.
وخدمة الأسرة والمجتمع سيبقى أثرها، وسيذكرها الناس بخير، بينما يزول كل قولٍ أو فعلٍ هدفه الإفساد.
وهمسة صادقة لكل فردٍ من أفراد الأسرة: احذر أن تكون أذنًا صاغيةً للمفسدين، ولا تجعل للخلافات والحسد طريقًا إلى قلبك، وكن عونًا على الإصلاح وجمع الكلمة، فالأسر لا تُبنى إلا بالمحبة والتعاون. وليس شرطًا أن تكون أنت صاحب المبادرة حتى تدعمها، فبدلًا من أن تحاول عرقلتها وفسادها (إن لم تكن صاحبها)، كن داعمًا لها.
وفي الختام، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤلف بين قلوب الأسر، وأن يجمع شملها على الخير، وأن يبارك في كل مبادرةٍ تهدف إلى إحياء التراث وصلة الرحم، وأن يجزي كل من بذل مالًا أو جهدًا أو وقتًا في خدمة أسرته ووطنه خير الجزاء، وأن يبعد عنا وعن جميع المسلمين أهل الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وأن يديم على بلادنا نعمة الأمن والإيمان والاستقرار.
والله ولي التوفيق.



