الأسرة… الشريك الأول في صناعة الأبطال

 

الدكتور رشيد بن عبدالعزيز الحمد

حين يقف البطل على منصة التتويج، تتجه إليه عدسات الكاميرات، وتتناقل وسائل الإعلام إنجازه، ويصفق له الجميع، لكن هناك شركاء حقيقيون في ذلك الإنجاز لا تظهر صورهم في المشهد، ولا تُذكر أسماؤهم في عناوين الأخبار… إنها الأسرة.

فوراء كل بطل أسرة آمنت بحلمه قبل أن يؤمن به الآخرون، وصبرت عليه قبل أن يحصد الإنجازات، وتحملت من أجل نجاحه ما لا يراه الناس. أب يستيقظ قبل الفجر ليقود ابنه إلى التدريب، ويعود به بعد ساعات من التعب، وأم تنتظر في المدرجات، تشجعه عند الفوز، وتواسيه عند الإخفاق، وأسرة تعيد ترتيب يومها، وتضحي بوقتها وجهدها وإمكاناتها، ليواصل ابنها أو ابنتها رحلة التميز.

إن البطل لا يُصنع في الملعب وحده، بل تبدأ رحلته داخل المنزل، حين تكتشف الأسرة الموهبة، وتزرع الثقة، وتغرس قيم الانضباط والالتزام والصبر، وتعلم أبناءها أن الإنجاز لا يأتي صدفة، وإنما هو ثمرة سنوات من العمل والإصرار.

ويتجلى دور الأسرة بصورة أكبر في الألعاب الفردية، مثل التنس، والسباحة، وألعاب القوى، والفروسية، والجودو وغيرها، حيث تتحمل الأسرة مسؤوليات لا تقتصر على التشجيع فحسب، بل تمتد إلى المتابعة اليومية، والنقل، وتوفير الأدوات، وتحمل تكاليف المعسكرات والسفر، فضلًا عن الدعم النفسي في رحلة قد تمتد سنوات قبل أن يصعد اللاعب إلى منصة التتويج. ولهذا فإن كثيرًا من إنجازات الألعاب الفردية هي في حقيقتها ثمرة شراكة بين موهبة اللاعب وتضحيات أسرته.

وفي المملكة العربية السعودية نماذج مشرقة تؤكد هذه الحقيقة، فقد كان للأسرة دور بارز في صناعة العديد من الأبطال الذين رفعوا راية الوطن في المحافل المختلفة. ومن ذلك أسرة الدكتور فالح الحقباني التي قدمت للوطن أبناءها سعود وعمار في رياضة التنس، كما نستذكر الراحل باسل الزهير، رحمه الله، وما أحاط به من دعم أسري، ونماذج أخرى في السباحة وغيرها من الألعاب، مثل الإخوة قاسم وطارق، إلى جانب عشرات الأسر السعودية التي اختارت أن تستثمر في أبنائها، فكان عطاؤها للوطن قبل أن يكون لأبنائها.

ولا تُذكر هذه النماذج لحصر الإنجازات في أسماء بعينها، فالقائمة أطول من أن تُحصى، وإنما لتأكيد أن وراء كل إنجاز رياضي أسرة مجهولة عملت بصمت، وضحت بصبر، وفرحت من القلب، دون أن تنتظر تصفيقًا أو تكريمًا.

ومن هنا، فإن رعاية الموهبة مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، ثم تمتد إلى المدرسة، والنادي، والاتحاد الرياضي، والإعلام، وجميع المؤسسات المعنية ببناء الإنسان. وكلما تكاملت هذه الأدوار، زادت فرص المملكة في صناعة أبطال يمثلون الوطن خير تمثيل، وهو ما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت الإنسان محور التنمية وأساسها.

إن من الوفاء أن نحتفي بالأبطال، ولكن من الوفاء أيضًا أن نُقدر الأسر التي كانت خلف تلك الإنجازات، لأنها غرست الحلم، وتحملت المشقة، وآمنت بالنجاح قبل أن يراه الآخرون.

فوراء كل بطل يرفع علم وطنه… أسرة رفعت همته، وأضاءت له الطريق، وصنعت الإنجاز قبل أن تصنعه الميدالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى