“كن فاهي.. واشرب شاهي” .. قصة كلمة غيّرت نظرتي للحياة

بقلم المهندس: طلال الشرهان
قبل فترة، شعرت بألم في بطني، وكان الألم يستمر أيامًا، فقررت أن أذهب إلى أحد المستشفيات الكبيرة في الرياض، وراجعت طبيبًا متخصصًا في الباطنية.
أُجريت لي مجموعة من الفحوصات والتحاليل والأشعة، وكنت أنتظر النتائج بشيء من القلق، حتى أخبرني الطبيب، ولله الحمد، أن جميع النتائج مطمئنة، ولا توجد مشكلة عضوية تستدعي القلق.
ثم قال لي الطبيب بكل بساطة: «عندك قولون عصبي توتري… وما عليك إلا أن تكون فاهيًا».
استوقفتني الكلمة.
فاهي؟!
خرجت من المستشفى وأنا أفكر: ماذا يقصد الطبيب؟
في البداية استغربت التعبير، لكنني لم أستطع أن أتجاهله.
ومع مرور الأيام، بدأت أعود إلى تلك الكلمة وأتأملها أكثر.
ماذا لو كان الطبيب يقصد شيئًا أبعد من معناها المباشر؟
ماذا لو كان يقصد: خففها… لا تحمل كل شيء… لا تجعل كل موقف يأخذ أكبر من حجمه… وعش حياتك ببساطة؟
وهنا بدأت أفهم.
نحن نعيش الحياة بجدية أكثر مما ينبغي
الحياة اليوم أصبحت سريعة جدًا.
نستيقظ على الأخبار والرسائل والمواعيد، وننام ونحن نفكر في أعمال الغد.
نركض خلف المسؤوليات، ونحمل هموم العمل، وننشغل بتصرفات الآخرين، ونراجع مواقف حدثت قبل أيام وربما أسابيع.
كلمة قالها شخص تظل في أذهاننا.
موقف لم يعجبنا نعيده عشرات المرات.
شخص لم يقدرنا كما توقعنا فنغضب.
وشخص اختلف معنا فنشعر وكأن علينا أن نثبت له أننا على حق.
وبين كل ذلك، ننسى أنفسنا.
ننسى أن الحياة ليست كلها معارك تحتاج إلى أن نخوضها.
وليس كل موقف يحتاج إلى رد.
وليس كل كلمة تحتاج إلى تفسير.
وليس كل شخص يحتاج إلى إقناع.
وليس كل خلاف يستحق أن نخسر من أجله راحة القلب.
ربما كان معنى «كن فاهيًا» ببساطة:
اعرف ما يستحق أن تهتم به، وما يستحق أن تتركه يمر.
فاهي لا تعني لا مباليًا
هذه الكلمة بالنسبة لي لا تعني أن يصبح الإنسان بلا مسؤولية أو بلا مشاعر.
على العكس.
أن تكون «فاهيًا» يعني أن تكون واعيًا بما يكفي لتعرف أين تضع مشاعرك وطاقتك ووقتك.
أن تعمل بجد، ولكن لا تجعل العمل يسرق حياتك.
أن تحب الناس، ولكن لا تجعل سعادتك متوقفة على رضاهم.
أن تهتم، ولكن دون أن تستنزف نفسك.
أن تختلف، ولكن دون أن تحمل الكراهية.
أن تُحسن، ولكن دون أن تنتظر المقابل.
وأن تتجاوز بعض الأمور لأنك أدركت أنها لا تستحق أن تحملها معك إلى الغد.
فبعض الأشياء لا تحتاج إلى حل… وإنما تحتاج إلى تجاوز.
لا تنتظر أن يتغير الآخرون
وأثناء تفكيري في هذه التجربة، تذكرت قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
[الرعد: 11]
هذه الآية العظيمة جعلتني أفكر في جانب مهم من حياتنا.
كم مرة ننتظر أن يتغير الآخرون حتى نشعر بالراحة؟
نقول:
لو تغير فلان سأرتاح.
لو فهمني فلان سأكون سعيدًا.
لو أصبح الناس أكثر تقديرًا سأشعر بالرضا.
لو تغيرت الظروف سأبدأ حياة مختلفة.
لكن ربما البداية الحقيقية ليست هناك.
ربما البداية عندي أنا.
لا أستطيع أن أتحكم في طريقة تفكير الآخرين، لكن أستطيع أن أتحكم في طريقة تعاملي معهم.
لا أستطيع أن أمنع كل موقف مزعج، لكن أستطيع أن أقرر حجم المساحة التي أعطيها له في حياتي.
لا أستطيع تغيير كل الناس، لكن أستطيع تغيير نفسي.
وهذا لا يعني أن الإنسان يتحمل الخطأ أو الظلم، وإنما يعني أن يبدأ بإصلاح ما يستطيع إصلاحه في نفسه، وأن يتعامل مع الحياة بوعي واتزان.
كم نعمة نعيشها ولا نشعر بها؟
ومن أكثر الأشياء التي توقفت عندها: النعم.
نحن نعيش وسط نعم عظيمة، لكن سرعة الحياة جعلتنا نعتاد عليها حتى أصبحنا لا نشعر بها.
الصحة نعمة.
العائلة نعمة.
الأصدقاء نعمة.
الأمان نعمة.
القدرة على العمل نعمة.
البيت نعمة.
الوقت نعمة.
وحتى كوب الشاي الذي نشربه ونحن في هدوء… نعمة.
لكن الإنسان أحيانًا لا يشعر بالنعمة إلا عندما يفقدها.
نملك أشياء كثيرة وننشغل بما ينقصنا.
نصل إلى هدف ونفكر مباشرة في الهدف التالي.
نحقق إنجازًا ولا نتوقف لنقول:
الحمد لله.
ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نبطئ قليلًا.
أن نجلس مع من نحب.
أن نغلق الهاتف.
أن نشرب كوب شاي بهدوء.
أن نتأمل ما حولنا.
وأن نقول من القلب:
الحمد لله على ما أعطيت، والحمد لله على ما منعت، والحمد لله على ما أعلم وما لا أعلم.
اشرب شاهي… واترك بعض الأشياء تمر
ومن هنا أصبحت أحب أن أختصر هذه الفكرة بجملة بسيطة:
كن فاهي.. واشرب شاهي.
ليست مجرد عبارة لطيفة.
بالنسبة لي أصبحت تذكيرًا يوميًا.
إذا حدث موقف لا يستحق:
كن فاهي.. واشرب شاهي.
إذا أغضبتك كلمة:
كن فاهي.. واشرب شاهي.
إذا لم يقدرك أحد كما كنت تتوقع:
كن فاهي.. واشرب شاهي.
إذا لم تسر الأمور كما خططت:
كن فاهي.. واشرب شاهي.
ليس هروبًا من الحياة…
بل طريقة أخرى للعيش فيها.
ربما نحن بحاجة إلى «التخفف»
التخفف من التفكير الزائد.
التخفف من محاولة إرضاء الجميع.
التخفف من مقارنة أنفسنا بالآخرين.
التخفف من انتظار التقدير.
التخفف من حمل أخطاء الماضي.
التخفف من الخوف المبالغ فيه من المستقبل.
والتخفف من الاعتقاد بأن علينا أن نحل كل شيء بأنفسنا.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في القلق من أشياء ربما لن تحدث، أو الحزن على أشياء حدثت وانتهت.
افعل ما تستطيع.
اجتهد.
أخلص.
قدم الخير.
اعتذر عندما تخطئ.
سامح عندما تستطيع.
ابتعد عندما يكون البعد أرحم.
ثم اترك ما لا تستطيع التحكم فيه لله.
كلمة الطبيب أصبحت درسًا في الحياة
اليوم، عندما أتذكر تلك الزيارة للطبيب، أبتسم.
ذهبت إليه وأنا أبحث عن علاج لألم في بطني.
وخرجت منه وأنا أفكر في طريقة أتعامل بها مع الحياة.
ربما لم يكن الطبيب يعلم أن كلمته ستبقى في ذهني كل هذه الأيام.
لكنه جعلني أتوقف وأسأل نفسي:
هل نحتاج فعلًا إلى أن نعيش كل شيء بهذا القدر من الجدية؟
هل كل موقف يستحق أن يسرق منا يومًا؟
هل كل خلاف يستحق أن نخسر من أجله علاقة؟
هل كل كلمة تستحق أن نحملها في صدورنا؟
هل نحن فعلًا نقدر النعم التي بين أيدينا؟
وربما كان الجواب في كلمته البسيطة:
كن فاهيًا.
خففها.
ابتسم.
تجاوز.
استشعر النعم.
غيّر ما تستطيع تغييره في نفسك.
ولا تنتظر من الحياة أن تصبح مثالية حتى تبدأ بالاستمتاع بها.
وفي النهاية…
قد لا نستطيع أن نغير العالم من حولنا، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي نعيش بها داخله.
وإذا ضاقت بك الحياة يومًا، وتزاحمت الأفكار في رأسك، وتراكمت عليك المواقف…
تذكر نصيحة ذلك الطبيب:
كن فاهي.. واشرب شاهي.
فبعض الأمور تحتاج إلى حل، وبعضه يحتاج فقط إلى كوب شاهي… وقلب يعرف متى يقول: خلّها على الله.



