جمال الأرزاق وصناعة الأثر في حياة النبلاء

أ.د. مبارك بن سعيد حمدان

كما هو معروف فإن الأرزاق مقسمة من رب العالمين، يقسمها كيف يشاء بحكمته ومنه وفضله وليست الثروات والمبالغ المالية والمليارات سوى مظهرٍ واحد من مظاهر العطاء الإلهي. فقد يرزق الله العبد خُلقاً حسناً وقبولاً جميلاً، وقد يرزق محبته ومحبة خلقه التي لا تُقدر بثمن، وربما يتجلى الرزق في ذرية صالحة، أو زوجة وفية، أو مناصب قيادية ومركز اجتماعي نافع، أو سيرة عطرة تبقى أثراً طيباً يسبق صاحبه ويبقى من بعده.

ولذلك حين نتأمل مثل هذه المعاني، نجد تجسيدها الحيّ ماثلًا في شخصية رجلٍ أتمّ أكثر من تسعين عاماً من عمره المبارك في خدمة دينه ووطنه؛ فكان بحق من خيرة الرجال وأكرمهم ممن غرسوا في تربة هذا الوطن بساتين من العطاء. هذا الرجل الذي بدأ حياته فارساً في ميدان شريفٍ من ميادين التربية والتعليم، مربياً للأجيال وغارساً للقيم، ثم انتقل بحكمته ورؤيته ليكون رجل أعمالٍ ناجحاً ومعروفاً، لم تلهه التجارة عن واجبه الإنساني والوطني. وللتاريخ وقفات لا تُنسى؛ فقد كانت له أيادٍ بيضاء مشهودة يوم أن انطلق قطار التنمية ودخل التيار الكهربائي إلى محافظة خميس مشيط، حينها لم يتوانَ هذا النبيل عن التبرع بأرضٍ شاسعة المساحة، مساهمة فاعلة منه لضمان وصول الخدمة الكهربائية وتخفيف المعاناة عن المنازل وأهل المدينة، مقدماً المصلحة العامة على كل مكسب شخصي. ولازالت هذه الأرض شاهد عيان على ما قدم.

ولم تقتصر مسيرته على ذلك، بل امتدت عطاءاته لتشمل الأنشطة الرياضية، ودعمه المستمر لنادي ضمك الرياضي في بداياته الأولى، وحضوره الفاعل والقويّ داعماً ومؤازراً لأعمال الجمعيات الخيرية والمجتمعية. ولأن الوفاء لا ينسى أهل الفضل، فقد كان لي شرف سابق في تكريمه قبل سنتين ضمن مبادرة إنسانية مباركة جعلت خالصةً على نية والديّ الغاليين (سعيد بن ناصر حمدان وفاطمة بنت عبد الله حمدان) رحمهما الله لتكريم الرواد والمخلصين في مختلف المجالات، وهو تكريمٌ ما زال يتردد صداه تقديراً لمن يستحق التقدير.

وفي هذه الأيام ألمّت به وعكة صحية طارئة، تشرفت بزيارته في قصره المبارك مع مجموعة من إخواني أعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية بخميس مشيط للاطمئنان عليه. ورغم ألم المرض وكبر السن، وجدناه كعادته دائم البشر، تفيض روحه بالرضا، ويشع محياه بالطمأنينة والثقة برب العالمين؛ فهو الرجل الذي عُرف بنبل الأخلاق، وكرم النفس، وصدق التعاون، ليكون بحق قدوة حسنة وأنموذجاً رائعاً لرجل الأعمال المخلص لوطنه. إنه الأستاذ سعد بن سعد مكعس الشهراني أحد كبار القوم في خميس مشيط ووجهاء المجتمع وقامة من قامات العمل الخيري والتطوعي والمجتمعي.

إن مثل هذه السيرة العطرة الممتدة لتسعة عقود لا يجب أن تُطوى، بل يجب أن تُنقل للأجيال الجديدة لتتعلم أن التجارة الحقيقية ليست في جمع الأموال، بل في بناء الأوطان وترك الأثر الجميل. شفا الله الأستاذ سعد وألبسه لباس الصحة والعافية، وأمدّ في عمره على طاعته، وجزاه عن وطنه ومجتمعه خير الجزاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى