حرباء بشرية

بقلم: آمال قوفشي
إني لأعجب من صنفٍ من البشر، قد قيل فيهم مثلٌ منذ القدم: “يقتل القتيل ويمشي في جنازته”، وإنه لوصفٌ صادقٌ وبليغٌ لهذا الصنف.
يطعنك بلسانه، الذي هو أشبه بخطافاتٍ من شرر، وينهش لحمك كوحشٍ مفترس وإذا رآك تبسّم لك، وبدا كأنه ملاكٌ طاهرٌ أو حمامةُ سلام، وهو يُخفي لك سمًّا قاتلًا خلف تلك الابتسامة المزيّفة.
لا أعلم كيف يعيش بسلامٍ من كان من هذا الصنف! وقد اجتمعت فيه أبشع الخصال: الكذب، والخداع، والنفاق، والزيف.
وليس أذاهم هو أقسى ما وجدت، بل تلوّنهم السريع أمامك؛ وكأنهم حرباءُ لا تستقرّ على لون، تتشكّل كيفما اقتضى الموقف، وتبدّل جلدها كلما تبدّلت مصالحها.
تارةً تراهم يحملون الودّ لك، وتارةً يكتسون رداء البراءة، وتارةً أخرى يؤدّون دور الضحية كممثّلٍ بارع، حتى تظنّ أنك أنت الجاني، وأنهم ليسوا سوى ضحايا بين يديك.
ولكن كلّ ذلك لم يكن سوى أقنعةٍ غطّت زيفهم ونفاقهم، وسرعان ما تسقط تلك الأقنعة، فتنكشف حقيقتهم، وتدرك حينها أنك لم تكن أمام أشخاصٍ عدّة، بل أمام شخصٍ واحدٍ تفنّن وأتقن التشكّل وارتداء الوجوه المختلفة.
تسقط الأقنعة، فتتعرّى الوجوه، وينكشف الزيف؛ وحينها فقط، ترى الحقيقة التي خبؤوها طويلًا خلف تلك الوجوه.



