الأم… حين يتكئ الأدب على قلبٍ لا يشي

عبد العزيز عطية العنزي

في مساءٍ تهادى على مهل، واكتسى بهدوءٍ يشبه حضن الأم، اختُتمت أمسية أدبية حملت بين تفاصيلها دفئًا لا يُروى، بل يُشعَر. كانت أمسيةً مختلفة، لا تُقاس بزمنها، بل بما تركته من أثرٍ عميق في الأرواح، حيث اجتمع الحضور على مائدة الحرف، وتوحّدوا تحت ظلال معنى واحد… الأم.

ومن بين هذا الحضور، كانت ماما تهاني أم الأيتام من الحضور التي أثرت على الأمسية بلمساتها وأحاديثها الرائعة.

منذ اللحظة الأولى، لم يكن اللقاء عاديًا، بل بدأ بمفتاحٍ نورانيّ، حين استُهلّت الأمسية بآيةٍ عظيمة من كتاب الله تعالى، قوله سبحانه:
“حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ”
آيةٌ تختصر ما لا تستطيع الكلمات حمله، وتُجسّد رحلة العطاء الصامت، والألم الجميل، والتضحية التي لا تُعلن عن نفسها. هنا… حيث يتكلم القرآن، يقف الأدب بخشوع، محاولًا أن يقترب، أن يصف، أن يُلامس ذلك العمق الإنساني الذي لا يُدرك بالكامل.

تلا ذلك انتقالٌ رقيق نحو مساحةٍ أكثر خصوصية، حيث جاءت قراءة من مقالٍ عن الأم، من كتاب (قطوف لمياء المرشد)، لتكون لحظة امتزج فيها الخاص بالعام، والذات بالوجدان الجمعي. لم تكن مجرد قراءة، بل كانت استحضارًا حيًا لصورة الأم كما تسكن في القلب، بكل ما تحمله من حنان، وذكريات، وتفاصيل صغيرة تشكّل أعظم الحكايات.

ومع انسياب الكلمات، بدأ الحرف يتخذ مسارًا أوسع، ليعبر من التجربة الشخصية إلى الفضاء الأدبي الرحب، حيث حضرت أسماءٌ خالدة في سماء الأدب العربي، وكأنها تجلس بين الحضور، تُنصت وتُشارك.
مرّ طيف نزار قباني، الذي جعل من الأم قصيدةً نابضة بالحنين، واستحضر العقاد بفكره العميق وتحليله الإنساني، وطلّ طه حسين بروحه السردية التي تُعيد تشكيل الذاكرة، فيما كان الإمام الشافعي حاضرًا بحكمته التي تنبع من صفاء القلب وصدق التجربة.

في تلك اللحظات، لم يكن الحديث عن الأم مجرد محورٍ أدبي، بل كان رحلةً عبر الزمن، نُعيد فيها اكتشاف كيف رآها الأدباء، وكيف صاغوا حضورها في نصوصهم، وكيف بقيت – رغم اختلاف الأساليب والعصور – رمزًا واحدًا لا يتغيّر:
رمز العطاء المطلق، والبداية الأولى، والحكاية التي لا تنتهي.

الحوار الذي دار خلال الأمسية لم يكن سطحيًا، بل اتسم بعمقٍ إنساني لافت، حيث تداخلت الرؤى، وتقاطعت المشاعر، وارتفعت الكلمات لتلامس مناطق صادقة في النفس. كان الحضور شريكًا في صناعة هذا الجمال، ليس فقط بالإنصات، بل بالحضور الواعي الذي يمنح الكلمة معناها الحقيقي.

ومع اقتراب الختام، تحوّلت الأمسية إلى لوحةٍ إنسانية متكاملة، امتزج فيها الأدب بالروح، والفكر بالشعور، لتُختتم بصورةٍ تليق بعظمة الأم ومكانتها. صورةٌ لا تُحكى، بل تُحس… حيث يبقى الأثر بعد انطفاء الضوء، وتظل الكلمات عالقة في الذاكرة، كما تبقى الأم في القلب… لا تغيب.

لقد أثبتت هذه الأمسية أن الحديث عن الأم ليس تكرارًا، بل اكتشافٌ متجدد، وأن الأدب – مهما بلغ من الجمال – يظل واقفًا على أعتاب هذا المعنى العظيم، يحاول أن يقترب، أن يعبّر، أن يفي…
لكنه، في النهاية، يهمس فقط:
الأم… هي النص الذي لا يُكتب كاملًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى