إنا والحوثي في عمّان عندما غيّر الحوار ما أفسده التضليل

بقلم الكاتب الدكتور فواز صايل الرويلي
في العاصمة الأردنية عمّان، حيث تتلاقى أوجاع العرب على أبواب المستشفيات، كنت في رحلة علاج لأحد أبنائي في أحد المستشفيات الخاصة. مستشفى يعج بجنسيات عربية وأجنبية، ترى فيه السعودي بجانب العراقي، والمصري بجانب اليمني، والجميع يجمعهم ألم واحد وأمل واحد في الشفاء. هو وجه من وجوه عمّان الجميل، مدينة تحتضن الجميع بهدوء وكرم أهلها المعروف.
وهناك، في إحدى ردهات الانتظار، جمعني لقاء عابر بأحد أبناء اليمن العزيز، اليمن السعيد الذي هو عزيز على قلوبنا جميعاً، تاريخاً وجغرافيا ونسباً. بدأ الحديث بيننا ودياً كعادة العرب حين يلتقون في الغربة، سؤال عن الحال والبلد وسبب الزيارة. كان الرجل لطيفاً في البداية، يتحدث بانفتاح.
لكن المشهد تغير تماماً عندما علم أنني من أبناء المملكة العربية السعودية.
في لحظة، اختلفت نبرة صوته، وتغيرت ملامح وجهه، وانطفأ ذلك الود. لم يعد يتحدث كيمني يلتقي بشقيقه السعودي، بل كشخص يواجه من يعتقد أنه خصمه. وبصراحة صادمة قال لي ما معناه: “كنت أعتقد أن كل من يمت للسعودية بصلة هو من الدواعش”.
صدمتني العبارة في البداية، لكنها لم تغضبني بقدر ما أحزنتني. أدركت حينها أنني لا أتحدث مع رجل بذاته، بل أتحدث مع منظومة فكرية كاملة زُرعت فيه.
سألته بهدوء: هل قابلت سعودياً من قبل؟ هل زرت المملكة؟ هل رأيت بعينك؟ فكان جوابه بالنفي. كل ما لديه هو ما يُلقن له ليل نهار عبر إعلام الميليشيا الحوثية، التي بنت مشروعها على شيطنة المملكة وقيادتها، وتصويرها كعدو، لأنها تعلم أن بقاءها مرتبط بصناعة هذا العدو الوهمي.
هنا بدأ الحوار الحقيقي. لم أرفع صوتي، ولم أستخدم لغة التحدي. حدثته بلغة الأرقام والحقائق التي لا يمكن إنكارها:
حدثته عن اليمني الذي يعيش بيننا في السعودية، أكثر من مليوني يمني يعملون بكرامة، ويُرسلون خيرهم لأهلهم، ويعاملون كأبناء البلد، هل هذه أفعال “دواعش”؟
حدثته عن المستشفيات السعودية التي تستقبل اليمنيين، وعن مركز الملك سلمان للإغاثة الذي هو أكبر داعم لليمن في العالم، وعن الطائرات الإغاثية التي لم تتوقف حتى في ذروة الأزمة، هل هذه أفعال “دواعش”؟
حدثته عن قيادة المملكة الحكيمة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين – حفظهما الله – التي جعلت من رؤية 2030 مشروع سلام وتنمية للمنطقة كلها، ومدت يدها للجميع، بينما مشروع الحوثي لم يجلب لليمن إلا الخراب والمقابر والجهل.
أخذ ورد… وكنت أرى في عينيه صراعاً داخلياً بين ما سمعه لسنوات، وما يسمعه الآن من سعودي يجلس أمامه بكل احترام وتقدير لليمن وأهله.
والله ما احتجت لأكثر من ساعة من الحوار الهادئ الصادق حتى بدأ الرجل يلين. قال لي في النهاية جملة لن أنساها: “والله أول مرة أسمع هذا الكلام، نحن لا يصلنا إلا شيء واحد فقط”.
لقد نجحت، بفضل الله، في تغيير فكره النابع من معتقده الحوثي السقيم تجاه المملكة.
*وهنا بيت القصيد:*
هذه الواقعة ليست قصة فردية حدثت في مستشفى في عمّان، بل هي تلخيص لمأساة شعب يمني كريم أصيل، اختطفت عقول بعض أبنائه آلة إعلامية طائفية.
الحوثية لا تحاربنا بالسلاح فقط، بل تحاربنا بتزييف الوعي. وهي تدرك أن اليمني لو عرف حقيقة السعودية، حقيقة شعبها وقيادتها ومشروعها، لما بقي لها حاضن واحد.
لذلك رسالتي من هذا المقال ثلاث:
*أولاً لأبناء اليمن:* السعودية لم تكن يوماً عدواً لليمن، بل هي عمقه وسنده. ومن يقنعكم بغير ذلك، اسألوه ماذا قدم لكم غير الموت؟
*ثانياً لأبناء وطني:* كل واحد منا سفير لوطنه في الخارج. بالكلمة الطيبة، بالحوار الهادئ، بالحقيقة، نستطيع أن نهدم جداراً من الكراهية بنته الميليشيا في سنوات. لا تستهينوا بقوة الحوار.
*ثالثاً للإعلام الوطني:* المعركة اليوم معركة وعي. يجب أن نصل إلى اليمني في قريته، وإلى العربي في مستشفاه، وإلى العالم بلغته، لنروي قصتنا نحن، لا أن نترك الآخرين يروونها عنا.
عدت من عمّان وأنا أحمل قناعة راسخة: أن ما تفسده البندقية، يمكن أن يصلحه الحوار، وأن قلب اليمني لا يزال نقياً، يحتاج فقط لمن يمسح عنه غبار التضليل الحوثي.
حفظ الله المملكة وقيادتها، وحفظ اليمن وأهله من كل مكروه، ورد كيد الحوثي ومن يقف خلفه في نحره.



