فاطمة النمر: التكنولوجيا توسّع أفق الفن.. لكنها لا تستطيع استنساخ روح الفنان

ماهر طلعت

في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتتغير معه طرق إنتاج الفن وعرضه وتلقيه، لم يعد السؤال مقتصرًا على تأثير الأدوات الرقمية في المشهد الفني، بل امتد إلى حدود أكثر عمقًا تتعلق بهوية الفنان، وأصالة العمل، ومكانة الأثر الإنساني في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج الصور خلال ثوانٍ.

ومن قلب هذه التحولات، ترى الفنانة السعودية فاطمة النمر أن التكنولوجيا لم تغيّر فقط الطريقة التي يُعرض بها الفن، وإنما أعادت رسم علاقته بالجمهور والمساحات التي يمكن أن يوجد فيها، مؤكدة في الوقت نفسه أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة في يد الفنان وليست بديلًا عن تجربته الإنسانية.

من قاعات العرض إلى فضاء المدينة

ترى النمر أن لقاء الجمهور بالعمل الفني كان في السابق مرتبطًا بصورة أساسية بالمعارض والمتاحف، بينما أتاحت التكنولوجيا اليوم للفن أن يتجاوز تلك الحدود، ليصبح حاضرًا في المدن والفضاءات العامة وقادرًا على الوصول إلى الجمهور في أماكن مختلفة.

وتستشهد بالتجربة السعودية وما تشهده من فعاليات فنية مثل «نور الرياض» و«آرت الرياض»، حيث أصبح الضوء والصوت والتقنيات الحديثة جزءًا من التجربة الفنية، وتحولت مساحات من المدينة نفسها إلى فضاءات يلتقي فيها الجمهور بالفن ويتفاعل معه بصورة مباشرة.

ورغم هذا التحول، تتمسك النمر بأهمية الحضور المادي للعمل الفني، فاللوحة والعمل التركيبي والخامة والملمس، وما يتركه الوقوف أمام العمل من أثر، تظل بالنسبة إليها تجربة لا تستطيع الشاشة أن تعوضها بالكامل.

وفي المقابل، منحت التكنولوجيا العمل الفني حياة أخرى؛ إذ أصبح الفنان قادرًا على مشاركة فكرته ورحلته ومراحل تكوّن عمله والوصول إلى جمهور يتجاوز حدود قاعة العرض. ومن هنا تؤكد أن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا تكمن في قدرتها على توسيع تجربة الفنان دون الانتقاص من هويته أو حضور العمل الحقيقي.

منصات التواصل.. نافذة للفن وليست مقياسًا لقيمته

ومع صعود منصات التواصل الاجتماعي، اتسعت دائرة الجمهور بصورة غير مسبوقة. فالعمل الفني الذي كان يشاهده زوار معرض أو متحف بعينه، يمكنه اليوم أن يصل بضغطة واحدة إلى جمهور ومؤسسات وقيّمين ومقتنين في أنحاء مختلفة من العالم.

وترى النمر أن هذه المنصات أسهمت أيضًا في تقريب الفن من الجمهور غير المتخصص؛ إذ أصبح أشخاص لم تكن لديهم عادة زيارة المعارض أكثر فضولًا تجاه الفن والفنانين، وبات بإمكانهم التعرف إلى حياة الفنان وأفكاره وما يقف خلف أعماله.

لكنها تضع فارقًا جوهريًا بين استخدام المنصة لخدمة الفن، وصناعة الفن لخدمة المنصة.

فالفنان، بحسب رؤيتها، لا ينبغي أن يصبح أسيرًا للمشاهدات والإعجابات والأرقام؛ لأن العمل الفني الحقيقي يحتاج إلى البحث والزمن والتجربة، ولا يمكن اختزال قيمته في حجم التفاعل الرقمي.

الموهبة وحدها لا تكفي

وفي المشهد الفني المعاصر، ترى فاطمة النمر أن الموهبة ليست سوى نقطة البداية. فبناء تجربة فنية متماسكة يحتاج إلى ممارسة مستمرة ومعرفة وبحث وتطوير للغة البصرية، إلى جانب امتلاك الفنان رؤية واضحة لما يريد التعبير عنه.

كما أصبح الوعي الرقمي جزءًا من مسيرة الفنان المعاصر. وليس المقصود أن يتحول الفنان إلى مسوّق، وإنما أن يعرف كيف يقدم نفسه، ويدير حضوره وأعماله، ويوثق تجربته، ويتواصل مع الجمهور والمؤسسات الفنية بصورة احترافية تحافظ على هويته.

وتؤكد أن المشروع الفني يجب أن يسبق حضوره الإعلامي؛ فالتسويق قد يحقق انتشارًا سريعًا، لكنه لا يستطيع بمفرده صناعة تجربة فنية حقيقية.

التسويق قد يفتح الباب للفنان، لكن ما يجعل الجمهور يبقى أمام العمل هو أثر الفن نفسه.

الذكاء الاصطناعي.. أداة أم منافس؟

ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى عالم الصورة والإبداع، لا تنظر النمر إليه باعتباره عدوًا أو منافسًا للفنان، وإنما تراه أداة جديدة تنضم إلى تاريخ طويل من الأدوات التي استعان بها الإنسان في ممارسته الفنية.

وبالنسبة إليها، لا يتمثل السؤال الأهم في: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع؟ بل في: ماذا يريد الفنان أن يقول؟

فالآلة تستطيع إنتاج صورة خلال ثوانٍ، لكنها، وفق رؤيتها، لا تمتلك إنسانية الفنان أو ذاكرته أو الأشخاص الذين مروا في حياته أو سنوات البحث والتجربة التي شكّلت لغته الفنية.

وتوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في المراحل الأولية للعمل؛ بدءًا من البحث وتنظيم الأفكار وتجربة احتمالات بصرية مختلفة، وصولًا إلى تطوير التصورات ومحاكاة وجود العمل داخل مساحة محددة قبل تنفيذه فعليًا.

وتبرز أهمية ذلك بصورة خاصة في الأعمال التركيبية والمشاريع الكبيرة التي تحتاج إلى تخطيط وتجارب مسبقة. فبإمكان الفنان اختبار علاقة العمل بالمكان والحجم والإضاءة والعناصر المحيطة قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

لكنها ترسم خطًا واضحًا بين الاستفادة من التقنية وبين تسليمها قرار الفنان؛ فالتكنولوجيا يمكن أن تساعده على رؤية فكرته من زوايا متعددة، لكنها لا ينبغي أن تصنع هويته أو تقرر عنه.

حين تصبح «أثر اليد» أكثر قيمة

ومع سهولة إنتاج الصور واستنساخ الأفكار بواسطة التقنيات الحديثة، ترى النمر أن الذكاء الاصطناعي قد يدفعنا إلى إعادة التفكير في مفهوم الأصالة وقيمة العمل الفني.

فكلما أصبح إنتاج الصورة أسرع وأسهل، قد تزداد في المقابل قيمة العمل المصنوع باليد، مثلما ازدادت قيمة الحرف اليدوية في مواجهة المنتجات المصنّعة آليًا.

فالعمل اليدوي يحمل تفاصيل يصعب استنساخها: أثر اليد، والمادة، والزمن، والبحث، والخطأ، والتجربة، والذاكرة، وقصة الإنسان الذي صنع العمل. وهي عناصر قد تصبح أكثر حضورًا في تحديد قيمة العمل الفني وأصالته مستقبلًا.

حقوق الفنان في عصر الذكاء الاصطناعي

ولا تنفصل هذه التحولات عن قضية الملكية الفكرية. فمع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، تشدد النمر على حق الفنان في معرفة كيفية استخدام أعماله وأماكن استخدامها، وعلى ضرورة تطور التشريعات والمعايير الأخلاقية بالتوازي مع التكنولوجيا، خصوصًا فيما يتعلق باستنساخ الأعمال أو تقليد أساليب الفنانين دون إذن.

فالتكنولوجيا تتقدم بسرعة، وهو ما يفرض – في رؤيتها – تطورًا مماثلًا في الوعي بحقوق المبدعين وحماية نتاجهم وهويتهم الفنية.

الإنسان سيبقى خلف العمل

في النهاية، لا ترى فاطمة النمر مستقبل الفن باعتباره معركة بين الإنسان والآلة، وإنما اختبارًا لقدرة الفنان على الحفاظ على هويته ورؤيته الخاصة وسط عالم تتضاعف فيه الإمكانات التقنية يومًا بعد يوم.

فكلما أصبح إنتاج الصور أسرع وأسهل، أصبحت قيمة المعنى والتجربة الإنسانية أكثر أهمية.

ومن هنا تدعو الفنانين إلى تعلم التكنولوجيا وتوظيفها بوعي، فالذكاء الاصطناعي قادر على توسيع الخيال واختصار بعض المسافات ومساعدة الفنان في تطوير أفكاره، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا عن خياله أو تجربته.

قد تتعلم التقنية شكل العمل، وقد تحاكي أسلوبًا بصريًا، لكنها لا تستطيع أن تصبح الفنان نفسه؛ لأن خلف كل فنان ذاكرة وتجربة وعلاقة بالمكان والزمان والناس لا يمكن نسخها بضغطة زر.

وفي عالم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج آلاف الصور، ربما تصبح القيمة الحقيقية للفن أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: الأثر الإنساني الذي يقف خلف العمل.

زر الذهاب إلى الأعلى