دقيقة…تفرق: وقت فراغك هو سيرتك الذاتية الحقيقية

الأستاذ الدكتور محمد عوض الأسمري – تبوك
لو سألت أحدنا اليوم: من أنت؟ سيجيب مباشرة بسيرة مهنية جاهزة، يذكر وظيفته وشهادته وسنوات خبرته. لكن هذه في الحقيقة ليست سيرته، بل هي سيرة المنصب الذي يشغله. أما سيرته الحقيقية التي تعكس جوهره وقيمه، فلا تكتب داخل أسوار العمل ولا في قاعات الاجتماعات، بل تكتب في المساحة الوحيدة التي لا رقيب عليه فيها إلا نفسه، في وقت فراغه.
فالعمل تفرضه المؤسسة، والالتزام يفرضه المجتمع، بينما يبقى الفراغ هو الهامش الحر الوحيد الذي نملكه، نختار فيه ما نكون، ولذلك هو المقياس الأصدق لشخصية الإنسان.
في الواقع الصادم نجد أن لدينا في الأسبوع 168 ساعة، وبعد اقتطاع ساعات النوم والعمل والالتزامات الأسرية والاجتماعية، يبقى لدى الفرد ما لا يقل عن 30 ساعة فراغ صافٍ كل أسبوع، أي ما يعادل وظيفة ثانية بدوام كامل. والسؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا بصراحة: أين تذهب هذه الثروة الأسبوعية؟
الواقع يقول إنها تتبدد في تقليب لا ينتهي لشاشات الهواتف، ومشاهدات متقطعة، وأحاديث مستهلكة بلا هدف، وتسويف يلد تسويفاً. نحن لا نعاني من شح الوقت كما ندعي، بل نعاني من سوء إدارة الفراغ. والمفارقة أننا نشتكي باستمرار من عدم وجود وقت كافٍ للتطوير والقراءة وبناء الذات، وحين يأتي الفراغ نهرب منه إلى أول شاشة، كأننا نخشى مواجهة أنفسنا.
عند مراجعة ممارساتنا نصل إلى الحقيقة أنه ترسخ في وعينا الجمعي فهم مغلوط مفاده أن الفراغ هو الجائزة التي نستحقها بعد التعب، وأن حقه أن يضيع. وهذه هي الخديعة الكبرى التي يجب أن نصححها.
ففي منطق التنمية وبناء الإنسان، الفراغ ليس استراحة سلبية، بل هو رأس المال الحقيقي. فالفارق الجوهري بين إنسان وآخر لا يقاس بساعات عمله الرسمي، بل بما يصنعه في الساعات التي لا يراه فيها أحد. الموظف الذي يستثمر فراغه في إتقان مهارة جديدة سيسبق زميله بعد عام واحد بسنوات، والطالب الذي يجعل من ساعة فراغه اليومية ورداً للقراءة سيتخرج إنساناً آخر غير الذي أفنى نفس الساعة في التذمر من المناهج. لقد توهمنا أن الإنجاز وليد القرارات الكبرى، بينما تؤكد دراسات السلوك الإنساني أن الإنجاز الحقيقي يبنى في الساعات الهامشية التي لا نلقي لها بالاً.
نحن نتعامل مع الفراغ كمهرب من الحياة، بينما يتعامل معه الناجحون كمصنع للحياة.
وهنا نصل للسؤال المفتاحي: كيف نجعل الفراغ سيرة نفخر بها؟
المطلوب ليس إلغاء الراحة، بل إعادة تعريفها، فالراحة الحقة ليست أن تفعل لا شيء، بل أن تفعل شيئاً تحبه وينميك في آن واحد.
أولاً، قاعدة الساعة المستقطعة:
اقتطع من يومك 60 دقيقة فقط، أسمها “ساعة السيرة”، ساعة لا للعمل ولا للعائلة ولا للهاتف، هي لك وحدك، تقرأ فيها أو تكتب أو تتعلم أو تخطط. هذه الساعة لو التزمت بها ستمنحك 180 ساعة بناء خالص خلال 6 أشهر فقط، وهي كفيلة بقراءة 4 كتب، أو إتقان مهارة جديدة، أو إطلاق فكرة مشروعك الأول.
ثانياً، سؤال المحاسبة:
قبل أن تفتح أي تطبيق ترفيهي، اسأل نفسك بصدق: هل ما سأفعله الآن سيضاف إلى سيرتي بعد عام؟ إذا كانت الإجابة لا، فأنت لا ترتاح، أنت تهرب. والفرق بين الراحة والهروب هو الفرق بين من يتقدم ومن يدور في مكانه. يكفي أن تستبدل كل يوم هروباً واحداً ببناء واحد.
ثالثاً، توثيق الفراغ:
جرب لمدة أسبوع واحد فقط أن تدون ما فعلته في وقت فراغك بكل شفافية، وفي نهاية الأسبوع اقرأ ما كتبت. تلك الورقة هي سيرتك الذاتية الحقيقية بلا تجميل. فإن أعجبتك فاستمر، وإن لم تعجبك فأنت وحدك صاحب القرار لتغيير سطورها في الأسبوع القادم.
وختاماً، حين يسألك الزمن ماذا صنعت بحياتك، لن تكون الإجابة في وصف وظيفتك، بل في وصف ما صنعت حين كان الوقت كله ملكاً لك. فتذكر دائماً:
“لا يضيع وقتك، بل أنت من تتيه، وما تستثمره اليوم هو سيرتك غداً”


