فلسفة الاختلاف تنوع لا تضاد!

د. سعيد الأحمري
صالون ابها الثقافي

لقد أدرك الإنسان وجود الفروق الفردية منذ فجر الإنسانية، إذ يختلف الناس في الذكاء والقدرات العقلية والجسمية، كما يختلفون في السمات المزاجية، وفي أطوالهم وأوزانهم، وفي خَلقهم وعاداتهم، وألوان بشرتهم، وأماكن تواجدهم وحياتهم، وهذه سنة الله في خلقه.

ولعل أفلاطون في جمهوريته من أقدم وأول من تطرق إلى الفروق الفردية بين البشر؛ وذلك قبل ظهور علم متخصص بهذا المجال وهو علم النفس، وتفرع عنه ما يعرف بـ *علم النفس الفارق*، الذي ظهر أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وأخضع الفروق القائمة بين الأفراد للقياس الدقيق.

ونعود إلى أفلاطون حيث يقسم الأدوار التي يقوم بها الأفراد كلٌ حسب مواهبه الطبيعية، فما يصلح لفرد قد لا يصلح لآخر، وهكذا كان من الأهداف الأساسية في جمهورية أفلاطون المثالية وضع كل فرد في المكان المناسب، والعمل المناسب وفقاً لاستعداداته وقابلياته.

وعندما جاء أرسطو، أدرك أهمية هذه الفروق، ووجه اهتمامه نحو الفروق بين الجماعات كالفروق بين الجنسين، والفروق بين الأجناس في السمات العقلية والأخلاقية؛ وفي رأي أرسطو فإن سبب هذه الفروق يعزى لأسباب فطرية، وهذا الاتجاه إلى الآن قائم ومعتمد على كون الفروق هي نتيجة فطرية لا دخل للفرد فيها. وهناك آراء أخرى ترى خلاف ذلك.

والصحيح هو امتزاج الفطري مع المكتسب، وأن الفرد يستطيع اكتساب صفات متعددة بالجهد والمثابرة.

أما العرب المسلمون منذ فجر الإسلام فقد أدركوا الاختلاف والتباين ما بين الشخصيات والتفاضل بينهم ولذلك شواهد كثيرة جداً. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يقدر هذه الفروق ويراعيها في أصحابه، فالقوي يقدمه في المعركة، والمتحدث في الخطابة، والشاعر في مجاله… إلخ، فهو صلى الله عليه وسلم يرى لكل شخص مجاله، والجميع له دور معين في المجتمع، وكون الشخص لا يناسب هذه المهمة لا يعني إزاحته وإبعاده، بل البحث عن المكان المناسب له.

– كان علم النفس والاجتماع جزءاً لا يتجزأ من الفلسفة اليونانية، وقد كان رائد الفلسفة أفلاطون يفرق المجتمع إلى طبقات بناءً على نظرته وفهمه في ذلك الحين، وللفروق الفردية دور كبير في تكوين الفرد والمجتمع تحدث عنه في جمهوريته، حتى جاء العصر الحديث وانفصل علم النفس عن الفلسفة وأصبح علماً مستقلاً له أصوله وضوابطه.
– افتتح فيلهلم فونت في ألمانيا أول معمل لعلم النفس التجريبي سنة 1879م، ويطلق عليه مؤسس علم النفس التجريبي. ثم تطورت العلوم النفسية وأصبح من فروع علم النفس النظرية *”علم نفس الفروق الفردية”*.
– وهذا يؤكد أهمية الفروق الفردية وأهمية معرفتها، وحتى في الجانب الإبداعي والعلمي قد يفشل البعض بسبب عدم الرغبة في مجال علمي وتراه ينجح في مكان آخر، وحتى نعرف المبدعين نحتاج إلى أن نعرف هذه الفروق.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى