«هانوي بعيون لمياء المرشد.. حيث بدأت حكاية فيتنام»
1 أكتوبر، 2026
40
ا. لمياء المرشد
لم تكن هانوي مجرد أول محطة في رحلتي إلى فيتنام، بل كانت الباب الذي دخلت منه إلى عالم مختلف تمامًا؛ عالم مزدحم بالتفاصيل، سريع في إيقاعه، بسيط في بعض ملامحه، وعميق في ثقافته
منذ اللحظة الأولى للوصول، بدأت عيني تلتقط المشاهد قبل أن تلتقطها الكاميرا. شوارع ممتلئة بالحركة، دراجات نارية تعبر في كل اتجاه، مبانٍ تحمل أثر الزمن، محال صغيرة متجاورة، ومقاهٍ تبدو وكأنها جزء أصيل من حياة الناس اليومية.
هانوي مدينة لا تمنحك نفسها دفعة واحدة، بل تحتاج أن تتأملها قليلًا. في البداية قد يلفتك ازدحامها، ثم شيئًا فشيئًا تبدأ في رؤية تفاصيل أخرى؛ بساطة الناس، سرعة الحياة، حضور الأسواق، ورائحة القهوة التي تكاد ترافقك في أكثر من زاوية.
كنت أعيش التجربة بعين السائحة، لكنني في الوقت نفسه كنت أراقبها بعين المرشدة السياحية والإعلامية. كنت أسأل نفسي: كيف استطاعت هذه المدينة أن تحافظ على هويتها رغم الحركة الكبيرة من حولها؟ وكيف تحولت تفاصيل الحياة اليومية فيها إلى جزء من التجربة السياحية؟
من أكثر ما لفت انتباهي في هانوي أن المدينة لا تحاول أن تتجمّل للزائر بقدر ما تجعله يرى الحياة كما هي. البائعون في الأسواق، الناس أمام المحال، الدراجات المتدفقة بلا توقف، والمقاهي الممتدة على الأرصفة، جميعها مشاهد تبدو عادية لأهل المدينة، لكنها بالنسبة للمسافر حكايات صغيرة تستحق أن تُروى.
وكانت اللغة من أولى التفاصيل التي جعلتني أشعر بأنني فعلًا في مكان مختلف. الكلمات جديدة على الأذن، والتعامل يحتاج أحيانًا إلى الإشارة والابتسامة والصبر، لكن الجميل أن الابتسامة لغة تفهمها كل الشعوب.
أما العملة، فكانت تجربة أخرى بحد ذاتها. الأرقام الكبيرة على الأوراق النقدية تجعل المسافر يحتاج إلى بعض الوقت حتى يعتاد عليها، ويبدأ في المقارنة والتحويل ومعرفة القيمة الحقيقية لكل شيء. وربما كانت هذه من التفاصيل الطريفة التي صاحبت الرحلة منذ بدايتها.
وفي هانوي، بدأت أيضًا أتعرف على المطبخ الفيتنامي بطريقته المختلفة، وعلى المقاهي وثقافة القهوة التي لها حضور واضح في حياة الناس. لكل مكان مذاقه الخاص، ولكل تجربة صغيرة ذكرى تبقى، حتى وإن كانت مجرد كوب قهوة في زاوية هادئة وسط مدينة لا تهدأ.
لكن هانوي لم تكن فقط شوارع وأسواقًا ومقاهي، بل كانت أول لقاء حقيقي مع ثقافة جديدة. كنت أراقب الناس، طريقة تعاملهم، تفاصيل ملابسهم، أسلوب حياتهم، وحتى الأشياء الصغيرة التي قد لا ينتبه لها المسافر في البداية.
ومع مرور الوقت، بدأت أشعر أن السفر لا يقاس بعدد الأماكن التي نزورها، بل بكمية التفاصيل التي نسمح لأنفسنا أن نراها.
ربما لهذا أحببت أن أدوّن الرحلة، لا لأقول فقط: زرت هانوي، بل لأتذكر كيف شعرت وأنا أمشي في شوارعها للمرة الأولى، وكيف بدت لي فيتنام قبل أن أتعرف على بقية مدنها.
كانت هانوي البداية، ومن البدايات دائمًا تتشكل الصورة الأولى.
لكن الرحلة لم تكن قد كشفت كل أوراقها بعد.
فبعد صخب العاصمة وحركتها، كان هناك عالم آخر ينتظرنا؛ جبال، وبحار وخليج وكهوف وضباب، وطبيعة مختلفة تماما.