قبو يوم القيامة

بقلم نزار الطويل

في جبل متجمد في النرويج على بُعد 1300 كيلومتر من القطب الشمالي داخل نفق يمتد 130 متراً في أعماق الصخور، تنام بذور كل محصول زرعته البشرية على درجة حرارة 18 درجة مئوية تحت الصفر؛ أكثر من 1.3 مليون نوع بذرة من كل دولة في العالم تقريباً، كل بذرة عرفتها جدتك وكل محصول زرعه جدك؛ سمّوه قبو يوم القيامة..

قبل أن نتحدث عن القبو نحتاج أن نفهم القصة التي أوصلتنا إليه:
مزارع ورث بذرته عن أسلافه، بذرة تُزرع وتُنبت وتُحفظ جيلاً بعد جيل دون تكلفة، ثم جاءت شركة وقالت: “بذرتك قديمة، وبذرتنا أقوى وأكثر إنتاجاً”، أخذها..
في السنة الأولى محصول ممتاز، لكن في السنة الثانية اكتشف أن البذرة الجديدة لا تنبت مرة ثانية فهي مُصمَّمَة لتدوم جيلاً واحداً فقط -ليشتري المُزارع من جديد كل عام-، وبذرة جده؟ موجودة، لكن في قبوهم..
هذه ليست قصة خيالية، هذه منظومة..
ولكن من هذه الشركة؟
هي أربع شركات تتحكم في أكثر من 50% من سوق البذور العالمي، وتُقرِّر ما يزرعه الكوكب وما يأكله، وبين 1990 و 2020 ارتفعت أسعار البذور بنسبة 270% بينما التضخم العام لم يتجاوز 56%!! ارتفع سعر البذرة خمس مرات أكثر من كل شيء آخر دون أن ينتبه أحد، لأن المستهلك في السوبرماركت يرى الخضرة لا البذرة التي أنبتتها، ثم جاء القانون ليُحكم الدائرة في عام 2013، ووقّع الرئيس الأمريكي أوباما قانوناً باتت تسميه منظمات المزارعين “قانون حماية مونسانتو” وهو القانون الذي منع المحاكم الفيدرالية الأمريكية من إيقاف بيع البذور المعدلة حتى لو ظهرت مخاوف صحية، حتى لو قال القاضي أن بها مشكلة، البذرة تُباع، والمزارع الذي حاول أن يُعيد زرع بذور اشتراها بماله؟ رفعت ضده شركات البذور دعاوى قضائية وحكمت المحكمة العليا لصالح الشركة؛ الشركة ملكت البذرة والقانون حمى الشركة والمزارع يدفع كل عام..
فَمن يملك قبو يوم القيامة ياتُرى؟
القبو تديره منظمة تسمى Crop Trust -الصندوق العالمي لتنوع المحاصيل- وهي منظمة غير ربحية مقرها ألمانيا، ومهمتها الرسمية حفظ تنوع البذور للبشرية،،
خيرية جداً!!
لكن من يموّلها؟
مؤسسة بيل وميليندا غيتس بجانب أكبر ثلاث شركات بذور في العالم، نفس الشركات التي تبيع البذرة المعدلة وراثياً وجينياً التي لا تنبت مرة أخرى تُموِّل المنظمة التي تحفظ البذرة الأصلية، ولا يقف الأمر هنا، هناك مشروع اسمه DivSeek تموّله مؤسسة غيتس أيضاً، يقوم برسم الخرائط الجينية لبذور المزارعين المحفوظة في القبو ثم يُسجِّل براءات اختراع عليها، البذرة التي زرعها فلاح فقير منذ مئة عام أصبحت ملكاً فكرياً لشركة في سان فرانسيسكو..
منظمة غير ربحية تموّلها شركات ربحية تحفظ بذور الفقراء وتبيع براءة اختراعها للأغنياء!!

ولفهم حجم الجريمة كاملاً لابُد من وقفة مع القارة السمراء،، إفريقيا تمتلك 30% من احتياطيات المعادن العالمية، و40% من ذهب العالم، وما يصل إلى 90% من الكروم والبلاتين، وأكبر احتياطيات الكوبالت والألماس واليورانيوم في العالم، وتحتفظ بـ65% من الأراضي الزراعية القابلة للزراعة في الكوكب بأسره، و10% من مصادر المياه العذبة المتجددة..
قارة تملك ثلثَي أراضي الكوكب الزراعية، ونصف ذهبه، وتسعة أعشار بلاتينه، ومع ذلك هي موطن أفقر دول العالم رغم أنها من أغنى قاراته بالموارد الطبيعية، فكيف حدث ذلك؟
هناك 101 شركة مدرجة في بورصة لندن وحدها تتحكم في موارد إفريقيا بشكل موثّق، وتُقدَّر قيمتها بتريليون وخمسة وخمسين مليار دولار في خمس سلع فقط: النفط والذهب والألماس والفحم والبلاتين، وتمتد عمليات هذه الشركات في 37 دولة إفريقية؛ وفي هذا السياق جاء بيل غيتس “لمساعدة مزارعي إفريقيا” وأطلق مشروع AGRA عام 2006 وضخّ فيه أكثر من مليار دولار على مدار 12 عاماً في 11 دولة إفريقية؛ مؤسسة غيتس لا تموّل أي دعم لأنظمة بذور المزارعين التقليديين التي تُغذّي 80-90% من إفريقيا، وبدلاً من ذلك تموّل المبادرات التي تستبدلها، والنتيجة بعد 12 سنة ومليار دولار؟ تقرير مستقل موّلته مؤسسة غيتس نفسها خلص إلى أنه لا يوجد أي دليل على تحقيق تقدم ملموس نحو مضاعفة دخل المزارعين أو خفض انعدام الأمن الغذائي، وزاد الجوع ولم يتحسن الدخل، وبعد نشر التقرير؟!
ضاعفت المؤسسة ميزانيتها!!
حين تفشل وتُضاعف، إمّا أنك مخطئ ولديك أموال أو ذكي وتملك أجندة.. -القارئ يختار-

المزارع الذي بدأنا بقصته -الذي ورث بذرته عن أسلافه- يشتري اليوم بذرته كل عام من نفس الشركة التي تحفظ بذرة جده في النرويج، والبذرة الأصلية موجودة على بُعد طيارة وإذن وعقد قانوني..
في الأسبوع الماضي تحدثنا في هذه الزاوية عن سؤال: مَن يقرر ما هو الطيب؟
واليوم الجواب يتعمّق:
من يتحكم في الطيب نفسه قبل أن يصلك؟
الطيبات التي أحلّها الله ليست فقط محتكرة في قرار طبي أو توصية غذائية، هي محتكرة من البذرة نفسها..

لو جاء يوم القيامة -على حد قولهم- ونفد الغذاء، واحتاجت البشرية أن تعود إلى البذرة الأصلية،،
مَن يملك مفتاح القبو؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى