هل تم التفكير في إدراج البحث عن المفقودين والمتعطلين في البراري والشعاب ضمن مهام الأمن البيئي؟

بقلم 🖋️ راشد بن محمد الفعيم

بين الفينة والأخرى، تتكرر عبر وسائل التواصل الاجتماعي رسائل الاستغاثة والإعلان عن مفقودين، تحمل في طياتها قلق الأهالي ولهفة المنتظرين، وألم الغياب الذي لا يُحتمل. وأحيانًا يكون المفقود أسرة خرجت للنزهة في البرية برفقة والدهم أو أخيهم، فتعطلت بهم المركبة، أو ضلّوا الطريق، أو راعٍ كبير في السن فقد طريقه بين الشعاب، أو مجموعة من شباب هواة الرحلات البرية باغتتهم الظروف فتيهوا في الفيافي.
إنها مشاهد تتكرر، تؤكد أن كل إنسان معرّض لمثل هذه المواقف، وأن الضياع في الصحراء ليس ببعيد عن أحد، مهما بلغت الخبرة أو توفرت الوسائل. وفي المقابل، تقف جمعيات أهلية تطوعية – جزاهم الله خير الجزاء – في الصف الأول، تبذل جهودًا عظيمة في البحث عن المفقودين، مدفوعة بروح إنسانية عالية، وإخلاصٍ نادر، رغم ما يواجهونه من مشقة وتكاليف وجهد مضاعف، لكونهم يعملون بإمكانات محدودة مقارنة بالجهات الحكومية المدعومة.
وقد شاركتُ بنفسي مع أحد الفرق التطوعية، فشهدت عن قرب حجم التحديات التي يواجهونها، من وعورة الطرق، واتساع رقعة البحث، إلى الحاجة المستمرة للتجهيزات والدعم اللوجستي. وهنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا يتم توسيع نطاق عمل الجهات الحكومية ذات العلاقة لتشمل مثل هذه المهام الإنسانية؟
فجهاز الأمن البيئي – التابع لوزارة الداخلية – يمتلك من الإمكانات ما يجعله مؤهلًا للقيام بدور كبير في هذا المجال؛ من كوادر بشرية منظمة، وقيادات ميدانية مدربة، ومركبات مجهزة قادرة على اختراق التضاريس الصعبة، إضافة إلى توفر الطائرات بدون طيار (الدرون) بمختلف أحجامها، والتي تُعد وسيلة فعالة في تمشيط المساحات الواسعة والوصول إلى الأماكن الوعرة.
كما أن انتشار مراكز الأمن البيئي في المحميات الطبيعية يمنحه ميزة جغرافية مهمة، فالمحمية الواحدة – مثل محمية الملك عبد العزيز رحمه الله – تضم عدة مراكز، قد تصل إلى أربعة أو أكثر، ما يعزز سرعة الاستجابة ويقرب مسافات الوصول. ولا يخفى ما تحقق – بفضل الله ثم بجهود الأمن البيئي – من نقلة نوعية في حماية الغطاء النباتي، حتى أصبحت البراري والشعاب اليوم أكثر ازدهارًا وجمالًا بعد أن كانت عرضة للعبث والإهمال.
ومن هذا المنطلق، فإن إدراج مهمة البحث عن المفقودين والمتعطلين ضمن اختصاصات الأمن البيئي، ولو بشكل تكاملي مع الجهات المعنية، يُعد خطوة مهمة نحو تعزيز منظومة السلامة في البيئات البرية، واستثمار الإمكانات المتوفرة بما يخدم الإنسان قبل كل شيء.
فحماية الإنسان وإنقاذ حياته مقصد عظيم، بل هو أولى وأسمى من غيره، قال تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا)، وما أعظم الأجر المترتب على إغاثة الملهوف، وإرشاد التائه، وإنقاذ الأرواح من الهلاك في تلك الفيافي المترامية.
إنها دعوة صادقة للتأمل، وخطوة نحو تكامل الجهود، حيث تتلاقى الإمكانات الرسمية مع العطاء التطوعي، في مشهدٍ يعكس أسمى معاني المسؤولية والتكاتف، ويجسد حرص هذا الوطن على الإنسان، في كل مكان وزمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى