بين «يا ابن زبيبة» و«يا ابن الأطايب»… عنترة يفضح نفاق المصالح

بقلم: إبراهيم النعمي

يقول عنترة بن شداد:

يُنادونني في السِّلمِ يا ابنَ زبيبةٍ

وعندَ صِدامِ الخيلِ يا ابنَ الأطايبِ

يُعد هذا البيت من أبلغ ما قيل في تصوير التناقض الإنساني ونفاق المصالح. فقد عبّر عنترة عن مرارة ما كان يلقاه من قومه؛ فأمه زبيبة كانت أَمَةً حبشية، ولذلك كانوا في أوقات السلم ينتقصون من شأنه ويعيّرونه بأصله، فينادونه: «يا ابن زبيبة».

لكن ما إن تدق طبول الحرب وتشتد المعارك، حتى يتبدل الخطاب تمامًا، فيصبح «ابن الأطايب»، أي ابن السادة والكرام، لأنهم في تلك اللحظات لا يرون إلا شجاعته وإقدامه، ويحتاجون إلى سيفه الذي يحمي القبيلة ويذود عنها.

لم يكن عتاب عنترة موجَّهًا إلى شخص بعينه، بل كان صرخة في وجه مجتمعٍ لا يمنح الإنسان قيمته إلا بقدر ما يقدمه من منفعة، فإذا انتهت الحاجة عاد إلى التهميش والجحود.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا في الأبيات التي تحيط بهذا البيت، إذ يقول:

خدمتُ أناسًا واتخذتُ أقاربًا

لعوني ولكن أصبحوا كالعقاربِ

يُنادونني في السِّلمِ يا ابنَ زبيبةٍ

وعندَ صِدامِ الخيلِ يا ابنَ الأطايبِ

سيذكرني قومي إذا الخيلُ أصبحت

تجولُ بها الفرسانُ بين المضاربِ

إنها لوحة إنسانية خالدة، ترسم معاناة رجلٍ لم يُنصفه قومه إلا ساعة احتاجوا إليه، ثم عادوا بعد انقضاء الخطر إلى الانتقاص من قدره.

ولا تزال هذه الصورة تتكرر في واقعنا؛ فكم من مبدع أو مخلص أو صاحب فضل لا يُلتفت إليه إلا عند الحاجة، فإذا انتهى دوره نُسي فضله، وربما أصبح هدفًا للنقد أو التقليل من شأنه. وهذه من أسوأ صور الجحود، لأن الوفاء الحقيقي لا يتغير بتغير الظروف، ولا يخضع للمصلحة الآنية.

لقد خلّد عنترة بهذا البيت حقيقة إنسانية باقية، مفادها أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُقاس بوقت الحاجة إليه، بل بما يحمله من خلق، وما يقدمه من عطاء، وما يتحلى به من شرف ووفاء.

ليس المؤلم أن يحتاجك الناس، فالتعاون سنة الحياة، ولكن المؤلم أن ينسوا فضلك بمجرد انتهاء حاجتهم، أو أن يبدّلوا احترامهم لك بحسب ما يحققونه من مصلحة. وقد لخّص عنترة هذه الحقيقة قبل قرون، فكشف أن النفوس لا تُختبر في أوقات الحاجة فقط، بل في دوام الوفاء وحسن التقدير بعد زوالها.

فليكن معيارنا في الحكم على الناس أخلاقهم وصدقهم، لا ما ننتظره منهم من منفعة. ولنعلم أن الإنسان الكريم يثبت على الوفاء في السِّلم كما يثبت في الشدة، أما أصحاب المصالح فتتبدل وجوههم بتبدل الظروف، فإذا احتاجوا رفعوك، وإذا استغنوا عنك تجاهلوك.

ولعل أعظم درس يقدمه لنا عنترة هو أن نحفظ كرامتنا، وألا نجعل قيمتنا مرهونةً باعتراف الآخرين بها؛ فالقيمة الحقيقية يصنعها الصدق، ويثبتها العمل، ويخلّدها التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى