قدسية الحرمين الشريفين… مسؤولية تُزرع في الأبناء

بقلم: الاستشارية الأسرية والنفسية

مزنة مبارك الجريد

ليست مكة المكرمة مجرد مدينة في خارطة وطن، وليست المدينة المنورة مجرد مكان يزوره المسلمون؛ إنهما موضعان ارتبطا في وجدان المسلمين بالعقيدة والعبادة والتاريخ، وفيهما المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، وقبلة المسلمين ومهوى أفئدة الملايين.

ولذلك فإن ما تعرّضت له منطقة مكة المكرمة من محاولات استهداف بالصواريخ الباليستية من قبل جماعة الحوثي عامي 2016 و2017، والتي تم اعتراضها وتدميرها دون وقوع أضرار في مكة، كان حدثًا يمس مشاعر المسلمين ويؤكد أن حماية المقدسات وأمنها مسؤولية عظيمة. 

لكن حماية قدسية الحرمين لا تقتصر على الدفاع العسكري والأمني؛ فهناك دفاع آخر لا يقل أهمية، يبدأ من الأسرة، ويمر بالمدرسة، ويصل إلى المؤسسات الثقافية والاجتماعية والإعلامية: دفاع الوعي.

فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الوطن، واحترام المقدسات، وتعظيم شعائر الله. ومن المهم أن نربي أبناءنا على أن الحرمين الشريفين ليسا مجرد معالم دينية نعرف أسماءها، بل أمانة ومكانة عظيمة في قلب كل مسلم، وأن احترامهما يبدأ من احترام الصلاة، والقرآن، والآداب الإسلامية، والمحافظة على نظافة المكان وحرمة الزمان والمكان.

أما المؤسسات التعليمية، فعليها مسؤولية تقديم مفهوم القدسية بصورة تربوية عميقة، بعيدًا عن الحفظ المجرد؛ من خلال تعريف الطلاب بتاريخ مكة والمدينة، وقصة بناء الكعبة، وسيرة النبي ﷺ، ومكانة المسجد الحرام والمسجد النبوي، وربط هذه المعاني بسلوك الطالب اليومي: احترام الآخر، المحافظة على الممتلكات، الاعتزاز بالوطن، ونبذ خطاب الكراهية والعنف.

وتأتي المؤسسات الثقافية والاجتماعية لتكمل هذه الرسالة، من خلال الفعاليات والبرامج والمعارض والندوات التي تجعل الانتماء والوعي الديني والوطني ثقافة حياة، لا مناسبة موسمية.

ومن منظور أسري ونفسي، فإن الطفل الذي يفهم قيمة ما حوله يصبح أكثر قدرة على حمايته والمحافظة عليه. فالوعي لا يُبنى بالخوف، وإنما بالمعرفة والحب والانتماء والقدوة الحسنة.

ومن هنا، فإن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نقول لأبنائنا: هذه أرض الحرمين، بل أن نشرح لهم لماذا هي غالية، ولماذا يجب أن نحافظ على أمنها ومكانتها، وكيف يكون كل فرد منا سفيرًا لقيمها في أخلاقه وسلوكه وتعامله مع الآخرين.

قال تعالى:

﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].

وإذا كانت صنائع المعروف تحفظ المجتمعات وتبنيها، فإن نشر الوعي وحماية القيم وتعزيز احترام المقدسات من أعظم صنائع المعروف التي نترك أثرها في أبنائنا والأجيال القادمة.

حفظ الله بلاد الحرمين، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأكرمنا دائمًا بخدمتهما وتعظيم شعائرهما، وجعل أبناءنا جيلًا يعرف قيمة وطنه ومقدساته، ويحمل هذه الأمانة بالوعي والمحبة والمسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى