وطنٌ آمن لا تهزّه التهديدات.. السعودية تمضي بثبات

بقلم/ سعود حماد العنزي
تصل رسائل الإنذار تباعاً، وتتعاقب التهديدات والاستفزازات، فيما يعيش المواطن والمقيم على أرض المملكة حياته آمناً مطمئناً؛ في وطنٍ يعرف جيداً كيف يحمي حدوده، ويحفظ سيادته، ويدافع عن مقدساته ومكتسباته دون أن يحوّل الخطر إلى فوضى أو الخلاف إلى اندفاع غير محسوب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى يُساء فهم الحِلم السعودي؟
خلال الأشهر الماضية، واجهت المملكة اعتداءات وتهديدات مباشرة، وأكدت في مواقفها الرسمية أن أمنها وسيادتها وسلامة المواطنين والمقيمين خطوط لا تقبل المساومة، وأنها تحتفظ بحقها في اتخاذ الإجراءات التي تكفل حماية أراضيها وردع مصادر التهديد.
ولم تتوقف التطورات عند حدود التهديدات المعتادة، بل بلغ الأمر محاولة استهداف باتجاه مكة المكرمة؛ العاصمة المقدسة وقبلة المسلمين ومهوى أفئدة أكثر من ملياري مسلم.
وهنا لا نتحدث عن مدينة سعودية فحسب، بل عن أقدس بقاع المسلمين، وعن مكان تتجه إليه وجوههم خمس مرات في اليوم من مشارق الأرض ومغاربها.
وقد قوبلت محاولة الاستهداف بموجة واسعة من الاستنكار والإدانة من دول عربية وإسلامية ومنظمات إقليمية، في مواقف أكدت رفض المساس بأمن المملكة وحرمة المقدسات الإسلامية، والتضامن مع السعودية في مواجهة أي تهديد يستهدف أراضيها وأمنها.
وهذه المواقف تُقدَّر؛ لأنها أدركت أن المسألة تتجاوز حدود السياسة والعلاقات بين الدول، وأن التهديد حين يقترب من مكة لا يعود شأناً سعودياً داخلياً وحده، بل قضية تمس وجدان العالم الإسلامي بأسره.
لكن وسط هذه الإدانات، يبرز في المقابل غياب أو تأخر الموقف العلني لدى بعض الدول الإسلامية، وهو أمر يفتح باباً واسعاً للتساؤل:
إذا لم تجتمع الكلمة الإسلامية عندما يقترب التهديد من مكة المكرمة، فعند أي قضية ستجتمع؟
يمكن أن تختلف الدول سياسياً، وأن تتباين مصالحها وتحالفاتها ومواقفها من قضايا المنطقة، لكن من الصعب أن يكون الاختلاف السياسي مبرراً للصمت عندما يتعلق الأمر بتهديد يطال محيط أقدس بقاع المسلمين.
مكة ليست قضية سعودية فقط.
السعودية تتشرف بخدمة الحرمين الشريفين وحمايتهما وتأمين قاصديهما، لكن مكة قبلة المسلمين جميعاً، ولذلك فإن حماية حرمتها ورفض تهديدها ينبغي أن يكونا موضع إجماع إسلامي لا تحكمه الحسابات السياسية ولا الاصطفافات الإقليمية.
ومن هنا فإن غياب أي موقف واضح، أو تأخر صدوره، يظل موضع تساؤل مشروع أمام الشعوب الإسلامية، خصوصاً عندما يكون الحدث متعلقاً بالعاصمة المقدسة.
ومع ذلك، فإن السعودية لا تنتظر بيانات الآخرين حتى تقوم بواجبها.
فالدولة التي تحمل مسؤولية حماية الحرمين تعرف حجم الأمانة، وتتعامل مع أمن مكة والمدينة وقاصديهما باعتباره مسؤولية لا تحتمل التردد.
وهذه ليست عبارات عابرة في نشرات الأخبار، بل وقائع تضع المنطقة أمام مسؤولية ثقيلة: سيادة المملكة وأمن أراضيها ومقدساتها ليست ساحةً لاختبار الصبر السعودي.
السعودية عندما تضبط ردود أفعالها لا تفعل ذلك عجزاً، وعندما تمنح الدبلوماسية مساحتها لا يعني أنها لا ترى ما يجري حولها. بل إن موقفها يجمع بين حماية السيادة والعمل على خفض التصعيد، وبين الحِلم والقدرة على اتخاذ القرار عندما تستدعي الضرورة ذلك.
الحِلم في السياسة قوة عندما يستند إلى دولة قادرة، لكنه ليس شيكاً مفتوحاً لمن يريد اختبار حدود ذلك الحِلم.
قد يختلف الآخرون مع السعودية سياسياً، وقد تتعارض المصالح، وهذا أمر تعرفه العلاقات الدولية، لكن هناك خطاً لا ينبغي أن يختلط على أحد: أمن المملكة وسيادتها وسلامة شعبها والمقيمين على أرضها ومقدسات المسلمين ليست أوراقاً للمساومة أو أدوات لإرسال الرسائل السياسية.
والمفارقة أن المملكة، وسط هذه الاضطرابات، لا تزال تبني وتعمل وتستثمر وتستقبل العالم. الناس يمارسون حياتهم، والمشروعات تمضي، ومؤسسات الدولة تعمل، بينما تصل التهديدات إلى سماء المملكة وتتكفل منظوماتها الأمنية والعسكرية بالتعامل معها.
وهنا ربما تكمن الحقيقة التي تغيظ خصوم السعودية أكثر من غيرها:
أنهم يريدون إشغالها.. وهي تواصل البناء.
يريدون استنزافها.. وهي تواصل التنمية.
يريدون جرّها إلى الفوضى.. وهي تتمسك بالدولة والمؤسسات.
ويراهنون على نفاد صبرها.. بينما تعرف الرياض متى تصبر، ومتى تتحرك لحماية مصالحها.
السعودية ليست دولة تبحث عن الخصومات، ولا تحتاج إلى صناعة الأعداء كي تثبت حضورها. ثقلها السياسي والاقتصادي والديني معروف، ومواقفها تُقاس بما تعلنه وتفعله، لا بما يقال عنها.
لكن من الخطأ أن يتحول ضبط النفس إلى قراءة مغلوطة، أو أن يُفسر الحِلم على أنه تردد.
لقد قالت المملكة موقفها بوضوح: حماية الأمن والسيادة وسلامة المواطنين والمقيمين حق لا مساومة عليه.
ومن هنا فإن الرسالة التي ينبغي أن تُفهم ليست رسالة تهديد، بل حقيقة دولة:
السعودية تحلم لأنها قادرة على الحِلم، وتصبر لأنها تعرف قيمة القرار، وتخفض التصعيد لأنها تدرك ثمن الحروب؛ لكنها في الوقت ذاته دولة تحمي أرضها وشعبها ومقدساتها، ولن يكون ضبط النفس تنازلاً عن السيادة.
وسيظل الشعب السعودي والمقيمون على أرض المملكة يمارسون حياتهم في وطن آمن، وستبقى الدولة تمضي في مشروعها وتنميتها، مهما ارتفع ضجيج المنطقة.
أما الحرمين الشريفان، فهما أمانة تتشرف المملكة بحملها، وأمنهما ليس موضع مساومة أو اختبار.
فلا تختبروا حِلم السعودية طويلاً، ولا تخطئوا في تفسير صبرها؛ فبين الحِلم والقرار دولة تعرف جيداً أين تقف حدود سيادتها، وكيف تحميها.
ويبقى السؤال موجهاً إلى العالم الإسلامي كله:
إذا كان التهديد الذي يقترب من مكة المكرمة لا يكفي لتوحيد الموقف ورفع صوت الاستنكار، فما الذي يمكن أن يوحّد هذا الصوت؟



