عبدالرحمن ابني.. رحل من الحياة ولم يرحل من قلبي

سعود حماد العنزي
وصلتني رسالة عبر منصة X من شخص لا أعرفه، يدعو فيها لابني عبدالرحمن بالشفاء والعافية.
توقفت أمام الرسالة طويلاً، وقرأتها أكثر من مرة. صاحبها لم يكن يعلم أن عبدالرحمن انتقل إلى رحمة الله في عام 1444هـ، ولم يكن يعلم أن كلمات قليلة كتبها بحسن نية ستفتح في قلب أبيه باباً من الألم والحنين ظننت أن مرور الأيام علّمني كيف أعيش معه.
لم تكن الرسالة بالنسبة لي مجرد دعاء وصل عن طريق الخطأ، بل أعادتني في لحظة إلى سنوات مضت، وإلى وجه ابني، وإلى زياراتي له، وإلى تفاصيل لا يعرف قيمتها إلا أب فقد ابنه.
أعادتني إلى عبدالرحمن.
كان بيننا حديث بلا كلمات
كان ابني عبدالرحمن من ذوي الإعاقة، ولم يكن يستطيع الكلام.
لم أسمع منه يوماً كلمة «يا أبي»، ولم نتبادل الأحاديث كما يفعل الآباء مع أبنائهم، لكن كانت بيننا لغة خاصة لا تحتاج إلى صوت ولا إلى كلمات.
كنت عندما أذهب لزيارته وأناديه أو أتحدث بالقرب منه، يعرف صوتي.
كان يبحث عن صوت أبيه.
يلتفت برأسه ناحيتي محاولاً أن يراني، وما إن تقع عيناه عليّ حتى أشعر بشيء لا أستطيع وصفه.
قد تكون تلك الالتفاتة في نظر الآخرين حركة بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت حديثاً كاملاً بين أب وابنه.
كنت أفهم منها أنه عرفني.
عرف أن أباه جاء إليه.
لم يكن عبدالرحمن يستطيع أن يقول لي: «اشتقت لك»، لكن التفاته نحو صوتي كانت تكفيني.
ولم يكن يستطيع أن يناديني: «يا أبي»، لكن عينيه كانتا تقولان أشياء كثيرة لا تستطيع الكلمات أن تقولها.
واليوم، بعد رحيله، أصبحت مستعداً لأن أعطي الكثير مقابل أن تعود تلك اللحظة مرة واحدة فقط؛ أن أدخل عليه، وأن يسمع صوتي، ثم أراه يلتفت باحثاً عني كما كان يفعل.
يا عبدالرحمن.. كم أشتاق إلى تلك الالتفاتة.
كان كل شيء في حياتي
لم يكن عبدالرحمن بالنسبة لي مجرد ابن.
كان جزءاً مني، من قلبي، من يومي، ومن ذلك الجانب الإنساني الذي ربما لا يعرفه كثير ممن يرونني اليوم أعمل وأكتب وألتقي بالناس وأمارس حياتي.
كان وجوده يعلمني معنى مختلفاً للحب.
حب لا ينتظر كلمة شكر، ولا يحتاج إلى حديث، ولا يبحث عن مقابل.
كنت أذهب إليه وأنا أعرف أنه لن يحدثني، لكنه كان يعرفني. وكان هذا يكفيني.
صوته لم أسمعه، لكن حضوره كان له صوت في داخلي، وما زال ذلك الصوت يسكنني حتى اليوم.
وحين رحل، لم يرحل شخص من حياتي وحسب؛ رحل جزء من أبيّتي معه.
مضت السنوات.. ولم يمضِ الفقد
يقولون إن الأيام تخفف الأحزان، وربما تفعل ذلك مع كثير من الأشياء، لكنني تعلمت أن فقد الابن مختلف.
الأيام لا تمحو الفقد، وإنما تعلمك كيف تخفيه.
تستيقظ، وتذهب إلى عملك، وتلتقي بالناس، وتبتسم، وتنجز، وتشارك الآخرين أفراحهم، وتبدو أمام الجميع وكأن الحياة مضت بك.
لكن في داخلك مكان توقفت فيه الساعة.
تمر مناسبة فتتذكره.
ترى أباً مع ابنه فتتذكره.
تسمع اسمه فتتذكره.
وتأتيك رسالة عابرة على هاتفك فتسقط المسافات والسنوات كلها، وتجد نفسك أباً يقف من جديد أمام ابنه ينتظر منه تلك الالتفاتة.
وهذا ما فعلته بي الرسالة.
أعادتني إلى عبدالرحمن، لا كما كان في أيامه الأخيرة، بل كما أحب أن أتذكره دائماً: يسمع صوت أبيه، يبحث عنه، ثم يلتفت نحوه.
اليوم أنا الذي أبحث عنه
ما أقسى تبدل الأدوار.
في الدنيا كان عبدالرحمن يبحث عن صوتي ليلتفت نحوي، واليوم أنا الذي أبحث عنه في كل ذكرى.
أبحث عنه في الصور.
في الأماكن.
في تفاصيل الأيام القديمة.
وفي تلك اللحظات التي لا يعرف أحد لماذا أصمت فيها فجأة
كنت في الماضي أذهب إليه وأتكلم حتى يسمعني ويعرف أن أباه بجانبه، أما اليوم فأرفع يدي إلى السماء وأدعو له، مؤمناً بأن الدعاء هو ما بقي لي لأقدمه لابني.
لم يعد بيني وبين عبدالرحمن موعد زيارة، ولا باب أدخل منه عليه، ولا صوت يسمعه فيلتفت إليّ.
أصبح بيننا دعاء.
وأصبحت أقول:
اللهم إن ابني أصبح في جوارك، فارحمه رحمةً تغنيه بها عن رحمة من سواك.
رسالة لم يعرف صاحبها ماذا فعلت بي
إلى صاحب الرسالة التي وصلتني عبر منصة X:
ربما كتبت كلماتك ومضيت، وربما لم تكن تعلم شيئاً عن قصة عبدالرحمن.
دعوت له بالشفاء وأنت لا تعلم أنه رحل إلى ربه منذ سنوات.
لكني لم أحزن من خطئك، بل شكرتك في داخلي.
شكراً لأنك ذكرت ابني بخير.
شكراً لأن اسمه مر أمامك فدعوت له.
وشكراً لأن رسالتك، رغم الألم الذي أيقظته في داخلي، جعلتني أعود لأكتب عنه.
لكنني أطلب منك اليوم أن تستبدل دعاء الشفاء بدعاء آخر:
ادعُ له بالرحمة.
وأطلب من كل من يقرأ كلماتي أن يمنح عبدالرحمن دعوة صادقة؛ فلعل دعوة إنسان لا يعرفه تكون من الدعوات التي يرفع الله بها درجته.
يا عبدالرحمن..
يا بني..
لم أسمعك تناديني «يا أبي»، لكنني كنت أرى هذه الكلمة في عينيك كلما التفتَّ نحو صوتي.
ولم تخبرني يوماً أنك تعرفني، لكنني كنت أعرف من بحثك عن صوتي أنك تعرف جيداً من جاء إليك.
وما كنت أعلم حينها أن تلك اللحظات الصغيرة ستصبح يوماً من أثمن ذكريات حياتي.
لو عاد بي الزمن، لأطلت الجلوس بجانبك أكثر.
ولناديت اسمك أكثر.
ولحفظت كل التفاتة منك، لأنني أعرف اليوم قيمة أشياء كنا نظن أن أمامنا عمراً طويلاً لنعيشها.
رحلت يا عبدالرحمن، وبقي أبوك.
وبقيت صورتك.
وبقيت ذكرياتك.
وبقيت تلك الالتفاتة محفورة في قلبي.
وسأظل ما بقي لي من العمر أذكرك ابناً من أبنائي، وأدعو لك، وأحمل اسمك في قلبي حتى يأتي اليوم الذي أرجو فيه من الله أن يجمعني بك في دار لا مرض فيها، ولا ألم، ولا عجز، ولا فراق.
اللهم ارحم ابني عبدالرحمن سعود حماد العنزي، واغفر له، ونوّر قبره، ووسّع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجعله شفيعاً لوالديه، واجمعنا به في الفردوس الأعلى اجتماعاً لا يعقبه فراق.
رحمك الله يا عبدالرحمن.
كنتَ تسمع صوتي فتبحث عني وتلتفت نحوي…
واليوم أناديك بدعائي، وأبحث عنك في ذكرياتي.
رحلت من الحياة يا بني، لكنك لم ترحل من قلبي، ولن ترحل ما دام في أبيك قلب ينبض ولسان يدعو لك.




