أوراقٌ حائرة: في أدبِ العُبُور ونُزهَةِ الوجْدَان

                     بقلم: ديمة الشريف

عُبُورٌ مَغمُورٌ بالنُّور

في مداراتِ الحياةِ المتسارعة، نبحثُ دوماً عن تلكَ التفاصيلِ الصَّغيرةِ التي تصنعُ فارقاً في وعينا. إنَّ التفاصيلَ السعيدةَ ليست ترفاً عابراً، بل هي خيوطٌ خفيةٌ مرتبطةٌ بكَ وبهم، بـ “هُم” و”هؤلاء” و”اللتان”؛ إنها شبكةٌ إنسانيةٌ ممتدة تشملُ كل مَن يعبرُ أرواحنا. فما أجملَ لطافةَ العبورِ حين يكونُ خفيفاً، مستنداً على ركيزةٍ صلبةٍ، ومصحوباً بجرعةٍ إيمانيةٍ مغمورةٍ بالنورِ واليقين. 

وفي غمرةِ هذا العبورِ البهيج، تلتئمُ أواصرُ المودةِ العائليةِ لتكتملَ لوحةُ الأُنس؛ حيثُ تُشرقُ “أثير” ويشدُّ عَضُدَها زوجُها “أمير”، وتفوحُ الأيامُ بـبِشْرِ أختِها “عبير”، تحتَ رعايةِ وظِلِّ والدِها “السفير”. هكذا تنضجُ العواطفُ في مهدِ الروحانياتِ الدافئة.

السَّفر.. فلسفةُ الارتحَال والدروس المَجَّانيّة

ولأنَّ الروحَ تميلُ بطبعِها إلى التجدد، يأتي السفرُ ليكونَ “ألطفَ عُبورٍ” نمنحه لذواتنا؛ فهو خطوةٌ أولى لصحتكَ النفسيةِ أولاً، وبوابةٌ مشرعةٌ لتطويرِ الذاتِ وبناءِ الهوية. حين نمضي في مناكبِ الأرضِ نكونُ متطلعين، مستكشفين، باحثين عن عالمٍ آخر، ومتلهفين لثقافاتٍ أخرى وبلدانٍ وعوالمَ جديدةٍ تعيدُ صياغةَ نظرتنا للأشياء.

بيدَ أنَّ هذا الارتحالَ لا يستقيمُ إلا بوعيٍ بصير؛ لذا عليكَ أن تختارَ مَن يرافقكَ في السفرِ بعنايةٍ فائقة. انتقِ ذلكَ الرفيقَ الذي يجمعُ بين خفةِ الظلِّ التي تذيبُ وعثاءَ الطريق، وكرمِ اليدِ الذي يبعثُ على الأمان، وحسنِ المزاجِ الذي يحيلُ العواطفَ سلاماً. فالرحلةُ بالرفيقِ قبلَ الطريق.

ومع هذا، قد تضلُّ البوصلةُ أحياناً، فليسَ كلُّ وجهةٍ تقصدُها تناسبك، وهناك وجهاتٌ غريبةٌ تماماً لا تشبهك ولا تنتمي إليك. لكنَّ الخياراتِ التي تبدو خاطئةً في ظاهرِها، هي في عمقِها “دروسٌ مجانية” تُعلّمكَ الكثيرَ والكثير. إنها تجاربُ مكثفة تُكلفكَ أن تدفعَ من رصيدِ مشاعركَ لتتعلمَ الهدوء، وتتقنَ الصبر، وتُجسّدَ الصمودَ في أحلكِ أوقاتِ الغضب. إنَّ هذا الدرسَ المجانيَّ الذي تناله بعد عثرةٍ أو غربة، هو في الحقيقةِ أعظمُ درسٍ يوقظكَ من غفلةِ الحياة، ويعيدُكَ إلى جادةِ الوعيِ والبصيرة.

نُزهَةُ القَلبِ ومَلاذُ البَسَاطَة

وبعدَ كلِّ سفرٍ وعِبرة، يعودُ الإنسانُ ليفتشَ عن الاستقرارِ الداخلي. يحتاجُ الإنسانُ -كما يحتاجُ الهواءَ تماماً- إلى “ركنِ أمانٍ” يأوي إليه، وهنا تجدُ “نزهةَ القلب” تفتحُ ذراعيها. والقلبُ السعيدُ هو ذلكَ الكائنُ الرقيقُ البسيط، الذي يسعدُ بكلمةٍ طيبةٍ عابرة، ويرضى بهديةٍ متواضعةٍ تحملُ في طياتِها الاهتمام.

إنَّ من أجملِ أنواعِ النزهاتِ وأكثرِها فخامةً هي تلك التي لا تتطلبُ حقائبَ أو تذاكرَ سفر؛ نزهةٌ قوامُها: كوبُ قهوةٍ بلا سُكّر، وكتابٌ يفتحُ أفقاً، وقلمٌ يبوح، وورقةٌ بيضاءُ تحتضنُ النبض، وخليةٌ من صفاء الذهن. في هذا الركنِ الهادئ، نملكُ الحقَّ الكاملَ لنعيشَ بخيالنا قليلاً، نُرفرفُ بجناحينِ من حُريّة، وننفلتُ من قيودِ الرسمياتِ لنركضَ ونلعبَ مع الصغارِ بعفويةٍ وبراءةٍ مطلقة.

هي أوراقٌ قد تبدو حائرةً في تساؤلاتِها، لكنَّها مستقرةٌ في يقينِها، تُعلّمنا كيفَ نَعبرُ الحياةَ بنورِ الإيمان، وكيفَ نستقي من الأسفارِ الحكمة، وكيفَ نلوذُ في النهايةِ بنزهةِ قلوبِنا الطاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى