سيرةُ كائنٍ سقط من السؤال؟

بقلم:عبدالعزيز عطيه
من خلف الشباك،
كنتُ أراقب عينينِ
تراقبانني…
ولم أعرف
أيُّنا كان الأصل،
وأيُّنا مجردُ صدى
تأخر عن نفسه.
في الزجاج
رأيتُ وجهًا يرتدي قناعًا،
ورأيتُ القناع يرتدي وجهًا،
أما أنا
فكنتُ أبحث عن اسمي
في جيب الزمن.
قلتُ:
من أنا؟
فأجابتني الساعة
المعلقة على جدار روحي:
أنتَ ما تبقّى
حين ينسى الوقتُ
مَن كان يعدّه.
توقفت عقاربها،
لكن الزمن لم يتوقف؛
كان يعبرني
كميتٍ لا يعرف
أن موته تأخر.
في زاويةٍ من داخلي
وجدتُ متاهةً بلا مداخل،
وفي قلبها
بابًا مفتوحًا على العدم.
اقتربتُ منه.
سمعتُ صوتًا يأتي من الداخل:
ادخل…
سألت:
إلى أين؟
قال:
إلى المكان الذي كنتَ فيه
قبل أن تولد فيك
فكرةُ المكان.
تراجعتُ.
فوجدتُ خلفي
قيودي محطمة.
لم أعرف مَن كسرها.
مددتُ يدي نحو الحديد،
فنزفَت أصابعي،
وفهمتُ أن القيد
لم يكن معدنًا…
كان ذكرىً متصلبة
تقاوم النسيان.
ثم رأيتُ قناعي
ملقىً على الأرض.
قال لي:
لا تخف من السقوط…
أنت لم تكن واقفًا أصلًا.
نظرتُ إلى قدميّ…
لم أجد ظلّي.
رفعتُ رأسي نحو الشباك،
فرأيتُ العالم معلّقًا في الخارج،
السماء في الأسفل،
والأرض في الأعلى،
والطيور تحفر قبورًا
للجهات الأربع.
سألتُ الفراغ:
هل هذه هي الحرية؟
فأجابني:
لا.
هذه اللحظة
التي لا يعود فيها
للسجن اسم.
عندها فتحتُ الشباك.
لكن لم يكن وراءه شارع،
ولا سماء،
ولا أحد.
كان هناك شباكٌ آخر.
وخلفه
كنتُ أنا…
أراقبني.
ابتسمتُ.
لأنني فهمتُ أخيرًا
أنني قد أقضي عمري
أحاول الخروج من المتاهة،
ثم أكتشف
أن المتاهة لم تكن حولي…
كانت هي الطريقة
التي تعلّمتُ بها أن أرى.
وحين أغمضتُ عينيّ،
لم ينطفئ العالم.
انطفأت فقط
رغبتي في أن أمنحه معنى.
وبقيتُ…
كائنًا سقط من السؤال،
وظلّ يسقط
حتى صار السقوط
آخرَ أشكال وجوده.



