الطفل تغيّر.. فهل تغيّرت صحافته؟

د. غالب محمد طه
كان محمد في الثالثة من عمره حين أخرج وجهه من نافذة السيارة، وأشار بإصبعه الصغير إلى لوحة كبيرة عند أحد التقاطعات، وهو يهتف بفرح:

«بابا.. ديك المواصفات!»

نظرت إلى حيث يشير. لم يكن هناك مبنى للمواصفات، ومحمد لم يكن قد رأى المبنى أصلًا. الذي رآه كان الشعار.

عرفه من مجلة «أحباب المواصفات» التي كنت أحملها إلى البيت له ولإخوته. ارتبط الشعار في ذاكرته بالرسوم والشخصيات التي اعتاد رؤيتها. لم يكن محمد، وهو في الثالثة، يعرف بالطبع ماذا تعني المواصفة، ولا ماذا تفعل هيئة للمواصفات والمقاييس. لكنه عرف علامتها.

مضت نحو عشر سنوات على ذلك المشهد.

كبر محمد، ونعيش اليوم في السعودية. المجلة التي كان يمكن أن تستوقفه يومًا لم تعد تفعل الشيء نفسه. عالمه الآن أكثر اتصالًا بالشاشة والألعاب والمحتوى الرقمي.

لا أقول إن محمد لم يعد يقرأ، ولا أريد أن أضع الكتاب والشاشة في تلك المعركة القديمة. ما يشغلني هو شيء آخر: علاقة الطفل بالوسيط نفسه تغيّرت.

تذكرت ذلك وأنا أقرأ كتاب د. نسرين عمر عبد الكريم «صحافة الطفل العربي في عصر الذكاء الاصطناعي: دراسة في المفهوم والتطبيق».

وجدتني لا أسأل: هل ستبقى مجلة الطفل الورقية أم تختفي؟ أخذني الكتاب إلى سؤال مختلف: ماذا يحدث لإعلام الطفل حين يتغيّر الطفل، وتتغيّر معه البيئة التي يعيش داخلها؟

هذه، في تقديري، واحدة من نقاط قوة الكتاب. فهو لا يبدأ من الذكاء الاصطناعي وكأنه ظهر فجأة ليحل مشكلات إعلام الطفل. يعود أولًا إلى صحافة الطفل نفسها، ووظيفتها التربوية والثقافية، وتجاربها وتحولاتها، ثم يمضي إلى البيئة الرقمية وما تفتحه من احتمالات جديدة.

وله أصل تطبيقي أيضًا. فقد انطلق من دراسة تناولت تجربتين سودانيتين في صحافة الطفل، هما «سمسمة» و«أحباب المواصفات»، قبل أن توسع المؤلفة دائرة النظر إلى المشهد العربي والتحولات الرقمية، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي.

توقفت هنا لسبب شخصي.

إحدى المجلتين اللتين دخلتا الدراسة هي نفسها التي جعلت محمد، وهو في الثالثة، يتعرّف إلى ذلك الشعار.

بعد عشر سنوات، تغيّر الكثير. الطفل الذي كانت المجلة تخاطبه بما اختاره له المحرر يعيش اليوم وسط محتوى يتيح له أن يختار ويعلّق ويلعب ويشارك، بل وأن يصنع شيئًا من المحتوى بنفسه. وهذه النقلة مهمة في الكتاب: الطفل لم يعد قارئًا صامتًا كما كان في النموذج التقليدي، بل أصبح طرفًا في الرسالة الإعلامية، وقد يصبح منتجًا لها أيضًا.

ومع ذلك، ربما كانت مجلات الأمس تعرف سرًا لا ينبغي أن نفقده.

فأجيال عربية عرفت مجلات صنعت جزءًا من طفولتها. اختلفت الأسماء من بلد إلى آخر، لكن المجلة الناجحة لم تكن تضع المعلومة أمام الطفل وتنتظر منه أن يحبها. كانت تمنحه قصة أو شخصية أو صورة أو مسابقة تجعله يعود إليها مرة أخرى.

وكانت المعرفة تدخل من هذا الباب.

الطفل اليوم لا يدخل لعبة إلكترونية لأنه قرر الابتعاد عن الثقافة، ولا يبقى في عالم رقمي لأن أحدًا طلب منه أداء واجب. هناك قصة وتحدٍّ وشخصيات واختيارات، وعالم يستجيب لما يفعله.

لذلك يبدو مستقبل صحافة الطفل أكبر من مجرد تحويل صفحات المجلة إلى شاشة.

في الفصل الأخير من الكتاب، «نحو نموذج عربي ذكي لصحافة الطفل في عصر الذكاء الاصطناعي»، تقترح المؤلفة إمكانات مختلفة: قصصًا يمكن تخصيصها بحسب عمر الطفل واحتياجاته اللغوية، وشخصيات تفاعلية، وحكايات يشارك في اختيار مساراتها، وألعابًا ومهام ومسابقات تجعل التعلم جزءًا من المتعة.

أي أننا لا نحتاج إلى مجلة الأمس في ثوب إلكتروني جديد. نحتاج أولًا إلى فهم العلاقة الجديدة بين الطفل والمحتوى.

وفي السعودية نجد ما يجعل هذا النقاش قريبًا من الواقع، لا حديثًا عن مستقبل بعيد. ففي «سلسلة أطفال العربية» التي أطلقها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، طُرحت عند مناقشة تطوير مرحلتها الثانية أفكار للقصص التفاعلية، والنسخ الرقمية المدعومة بالواقع المعزز، والإفادة من الذكاء الاصطناعي في تخصيص التجربة القرائية.

ما يستوقفني هنا ليس التقنية وحدها. فاللغة لا يمكن حمايتها بأن نقف خارج العالم الرقمي ونطلب من الطفل أن يعود إلينا. عليها أن تجد مكانها في العالم الذي ذهب إليه.

والسؤال أوسع من السعودية.

أطفالنا العرب يعيشون بالفعل داخل هذه البيئة. وما يستحق التفكير هو مقدار ما صنعناه نحن فيها من محتوى يجذب الطفل، ويحترم عقله، ويقوّي لغته، ويوسّع خياله، ثم يمنحه مساحة ليقول ويكتب ويختار ويصنع، بدل أن يظل مستهلكًا لما يصنعه الآخرون.

لكنني لا أرى التخصيص بالذكاء الاصطناعي حلًا كاملًا.

الكتاب نفسه ينتبه إلى الخصوصية وبيانات الأطفال والإعلانات الموجهة إليهم وضرورة توفير بيئات رقمية آمنة. وأثناء القراءة ظل سؤال آخر يلح عليّ: كلما أصبحت التكنولوجيا أقدر على معرفة ما يحبه الطفل، أصبحت مسؤوليتنا أكبر في ألا نكتفي بإعطائه ما يحبه.

في مجلة الأمس كان المحرر حارس البوابة.

اليوم جلست الخوارزمية إلى جواره.

إذا عرفت المنصة أن طفلًا يحب نوعًا معينًا من القصص، فمن السهل أن تقدم له المزيد منه. لكن إعلام الطفل لا ينبغي أن يكتفي بما يجذبه الآن. عليه أيضًا أن يفتح أمامه نافذة على شيء لم يكن يعرفه، ثم يجعله راغبًا في اكتشافه.

أن يجعل المهم جذابًا، لا أن يستبدل المهم بما هو جذاب.

وتوقفت كذلك عند مفهوم «الصحفي التربوي الشامل» الذي يطرحه الكتاب. فالكتابة للطفل في هذه البيئة تحتاج إلى أكثر من صحفي يجيد الكتابة، وأكثر من تقني يعرف الأدوات. نحن أمام معرفة بالتربية ونفسية الطفل، وفهم للبيئة الرقمية، وقدرة على تصميم المحتوى التفاعلي وإدارة مساحة آمنة للصغار.

ومن هنا تخرج المسألة من غرفة تحرير مجلة الطفل. التعليم والثقافة والإعلام والجامعات وشركات التقنية وصناعة الألعاب تشارك اليوم، بدرجات مختلفة، في تشكيل البيئة الإعلامية التي يكبر داخلها الطفل.

ولعل ما يُحسب لكتاب نسرين عمر عبد الكريم أنه لا يستدعي مجلة الطفل من باب الحنين، ولا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بانبهار. إنه يبحث عن المسافة بين الاثنين: كيف نحافظ على الوظيفة التربوية والثقافية لإعلام الطفل، من دون أن نتجاهل العالم التقني الذي أصبح جزءًا من حياته؟

ولهذا أراه بداية لنقاش يستحق أن يستمر.

نحن بحاجة إلى دراسات عربية جديدة تذهب إلى الأطفال أنفسهم، وتراقب كيف يقرؤون ويشاهدون ويلعبون ويتفاعلون اليوم، وماذا تفعل الخوارزميات باختياراتهم، وما الذي يحدث للغة والخصوصية والهوية في هذه البيئة سريعة التغيّر.

وقد يكون في الأمر مفارقة تستحق الانتباه: الطفل الذي نبدأ دراسته اليوم قد تتغيّر بيئته الرقمية قبل أن ننتهي من نشر نتائجنا عنه.

قبل نحو عشر سنوات، استطاعت مجلة ورقية أن تجعل محمد، وهو في الثالثة، يتعرّف إلى شعار مؤسسة لم ير مبناها. لم تكن تعرف اهتماماته بخوارزمية، ولم يكن يستطيع التحدث إلى شخصياتها. كانت لديها قصة وصورة وشخصيات عرفت كيف تصل إليه.

كبر محمد، وكبرت الأدوات بصورة لم يكن صانعو تلك المجلة يتخيلونها. ولا أريد أن أعيد المجلة إلى يده بالقوة، أو أن أعيده إلى عالمه القديم. ذلك العالم مضى.

لكن الكتاب ترك عندي سؤالًا لم يمضِ:

إذا كان إعلام الطفل بالأمس قد عرف كيف يصل إلى محمد بأدوات زمنه، فهل نعرف نحن كيف نصل إليه، وإلى ملايين الأطفال العرب، بأدوات زمنهم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى