كاتبٌ جائع.

بقلم: وليد الحداد 

كنتُ أراقب قطيع أفكاري على نهرٍ من الخيال،

تتزاحم عند الضفة، وتدفع بعضها إلى الحرف، حتى سال لعاب القلم.

قلت: هذه ليلتي.

أخرجتُ شباكي…

فإذا بها ممزقة.

فتشتُ عن الذخيرة، فلم أجد إلا قلمًا يابسًا، وذاكرةً تتظاهر بأنها لم ترَ شيئًا.

ومع ذلك ظل القطيع يقترب.

فكرةٌ تقفز، وأخرى تلوّح، وثالثةٌ تدقّ على رأسي كأنها تعرف عنوانها جيدًا.

أردتُ اصطياد واحدة.

لم تكن الأفكار تهرب من شباكي…

كانت تدخل رأسي من ثقوبه.

كان قطيع الأفكار يعبر نهر خيالي، وكل واحدة منها تتدافع نحو الحرف كأن الصفحة مرعىً أخير.

كنتُ أراقبها بشهية كاتبٍ جائع.

شباكي ممزقة، وذخيرتي مجهولة المصير، والقلم وحده يلعق شفتيه.

انتظرتُ أن تخطئ إحداها الطريق.

فأخطأتُ أنا.

جلستُ أمام الورقة طويلًا، ثم بدأت الأفكار تتناقص واحدةً تلو الأخرى.

كتبتُ أول جملة…

فهربت الثانية.

كتبتُ الثانية…

فاستدارت الثالثة واختبأت.

لماذا كانت تتدافع نحو الحرف:

ربما لم تكن تبحث عن الورق…

كانت تبحث عن منفذٍ تهرب منه مني.

كنتُ أظن أنني أراقب الأفكار.

لعلها هي التي كانت تراقبني.

قطيعٌ كامل على نهر الخيال، يتدافع نحو الحروف، يلمع في عيون القلم حتى يسيل حبره من شدة الطمع.

أما أنا، فشباكي ممزقة وذخيرتي غارقة في مكانٍ لا أعرفه.

قلت: سأنتظر فكرةً سمينة.

فجاءتني واحدة.

قلت: سأصطادها.

فابتسمت.

وحين اقتربت، اكتشفتُ أن الخيط الذي ظننته شباكي…

كان مقودًا في يدها.

بعض الأفكار لا تأتي لتُكتب…

تأتي لتجرّ صاحبها إلى الورق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى