“مش نصيبي”

عمان-رنا الضبعه
في زحام الحياة العصرية وسرعتها المتسارعة، نجد أنفسنا خائفين باستمرار من أن يفوتنا شيء. تسلّل هذا الخوف المفرط إلى أعماقنا دون أن ندري متى بدأ، وتحوّل مع الوقت إلى قلق دائم، وتفكير زائد في المستقبل، ومبالغة في التخطيط لأبسط التفاصيل، ومحاولة مستميتة لضمان كل خطوة قبل أن نخطوها. نركض وكأننا في سباق سرمدي مع الزمن، خائفين أن يفلت من أيدينا ما نرجوه.
لكن وسط هذا الضجيج والركض المستمر، تتردد في داخلي كلمتان: «مش نصيبي، ومش رزقي».
تلك الجملة البسيطة لم تكن مجرد مواساة عابرة، بل غدت بلسمًا يملأ النفس رضا وسكينة، وتمنحني مرونة وتقبلًا لفكرة أن بعض الأشياء ببساطة مكتوب لها أن تفوتنا؛ ففي النهاية، نحن نعيش في دنيا.
حكم الفوات وطبيعة الحياة
حين نتأمل حقيقة هذه الحياة، نصل إلى يقين نؤمن به بكل جوارحنا: إنه من الطبيعي جدًا أن تفوتنا أشياء، وأن نفوت نحن أشياء وأشخاصًا وأماكن ومراحل. فالدنيا بأساسها محكومة بالفوات والمغادرة، ولا شيء فيها يثبت على حال أو يدوم لأحد. إن محاولة الإمساك بكل شيء واللحاق بكل فرصة ليست إلا استنزافًا لطاقاتنا النفسية والروحية.
إن الفهم الحقيقي لطبيعة القدر يجعلنا ندرك أن ما أخُذ منا لم يكن ليبقى، وما فاتنا لم يكن أصلًا مقدرًا لنا.
الحرية في التخلي
لعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه في هذه الرحلة هو تلك السكينة الدافئة التي تخفف علينا مرارة ما مضى، والقناعة التي تطمئننا لما لم يكن لنا. إن التقبل الواعي يحررنا من وهم السيطرة الكاملة، ويمنحنا شجاعة التخلي عن محاولة الإمساك بكل شيء.
حين نسلم أزمور أمرنا لله، ونترك لقلوبنا مساحة للتنفس، ندرك أن النفس الراضية المستسلمة لأقدار الله هي التي تعيش أعمق درجات الراحة. فما كان لك سيتخطى الزحام ليصل إليك، وما لم يكن لك لن تناله ولو بذلت له أقصى جُهدك.
فالحمد لله على كل ما فات، وعلى كل ما هو آتٍ، وعلى نفسٍ وجدت مستقرها في الرضا بالقضاء والقدر.



