العم عزمي… حين يصبح الأب غريبًا في بيته وخصمًا لأبنائه

قلم الإعلامي صالح المحجم
التقيتُب برجلٍ طاعنٍ في السن، حفرت الأيام أخاديدها على وجهه، وانحنى ظهره من ثقل السنين، بينما كانت عيناه تخفيان من الحزن ما تعجز عن حمله الجبال.
كان يجلس بصمتٍ مهيب، وكأن الحياة أخذت منه الكلام بعدما أخذت منه أشياء كثيرة. شعرتُ أن هذا الرجل لم يذق من قسوة الأيام وحدها ما يكفي لإتعابه، بل إن أقرب الناس إليه قد أذاقوه من الألم ما يفوق احتمال قلبه.
اقتربتُ منه وجلستُ بجواره، ثم قلت:
قلت له: عرّفني بنفسك يا عم عزمي… وصف لي حياتك.
ابتسم ابتسامةً باهتة، ثم تنهد وقال:
أنا رجلٌ أفنيت عمري في بناء أسرةٍ ظننت أنها ستكون سندي حين يضعف جسدي ويشيب رأسي. عشتُ مع زوجتي أربعةً وخمسين عامًا، وبنيتُ بيتًا كبيرًا، ولم أكن أحلم بقصور الدنيا، بل ببيتٍ يجمعني بأبنائي وبناتي، أجد فيه راحتي حين ينتهي تعبي.
سافرتُ مع زوجتي إلى إحدى الدول العربية حين حصلت على عقد عملٍ معلمة، وكنت مرافقًا لها، لكنني لم أقبل أن أعيش عالةً على أحد. بحثتُ عن عملٍ يناسب تخصصي في الزراعة حتى وجدت وظيفةً في إحدى الجهات المعنية بهذا المجال.
عملتُ ليلًا ونهارًا، وتحملتُ مرارة الغربة، وكان كل ما أجنيه أراه مستقبلًا لأسرتي. لم أكن أفكر في نفسي بقدر ما كنت أفكر فيهم. كنت أقول في داخلي: سيأتي يومٌ أعود فيه إلى وطني وقد أمّنتُ لهم حياةً كريمة، وسأرتاح بينهم بعد أن أنهكني التعب.
ثم سكت قليلًا، وأطرق برأسه، وكأن الذكريات أخذته إلى مكانٍ بعيد.
قلت له: وما الذي حدث بعد كل هذه السنين يا عم عزمي؟
قال بصوتٍ خافت:
انتهى عقد زوجتي، فعادت إلى الوطن مع أبنائي وبناتي، وبقيتُ أنا أقاوم الغربة وأواصل عملي. وفي إحدى المرات طلبت مني زوجتي أن أنقل ملكية منزل العمر باسمها حتى تتمكن من إنهاء بعض الإجراءات الخاصة به.
لم أشك فيها لحظةً واحدة. كيف أشك في امرأةٍ عشت معها أربعةً وخمسين عامًا؟
نقلتُ الملكية وأنا مطمئن، ولم أكن أعلم أنني أضع بيدي مفتاحًا لمرحلةٍ ستغيّر حياتي كلها.
وبحسب ما عشته بعدها فقد تغيّرت علاقتي بأبنائي وبناتي، وأصبحت أشعر أنني فقدت مكاني بينهم. وحين عدتُ من غربتي لم أجد ما كنت أحلم به من اجتماع الأسرة ودفء البيت، بل وجدت نفسي في مواجهة خلافاتٍ وخصوماتٍ وصلت إلى الشرطة والقضاء.
ثم رفع عينيه إليّ وقال:
أتدري يا بني ما أشد ما يؤلم الرجل؟
قلت: ماذا يا عم عزمي؟
قال:
ليس أن يخسر ماله، ولا أن يفقد بيته، ولا أن يضطر إلى البدء من الصفر وهو في شيخوخته.
الألم الحقيقي أن يعود من الغربة مشتاقًا إلى أبنائه، فيجد نفسه غريبًا بينهم. أن يقف الأب أمام أبنائه خصمًا، بعدما قضى عمره يحميهم من خصومة الدنيا. أن يصبح البيت الذي بناه بعرقه بعيدًا عنه، ثم يستأجر مسكنًا بالقرب منه، فيمر كل يومٍ بجواره وكأنه يمر أمام صفحةٍ من عمره لم يعد يستطيع استعادتها.
قلت له: وكيف أصبحت حياتك اليوم؟
تنهد طويلًا، ثم قال:
أصبحت أبحث عن رزقي من جديد، وأحاول أن أبني ما تبقّى من حياتي. اضطررت إلى الزواج حتى أجد من تؤنس وحدتي وتعينني على كبر سني، فأنا لم أعد أحتمل أن أقضي بقية عمري وحيدًا.
لكنّ أصعب وحدتي ليست في غياب الناس عني، بل في غياب من كنت أظن أنهم لن يغيبوا عن قلبي أبدًا.
أحيانًا أعود إلى مسكني، وأجلس وحدي، فتعود إليّ صور أبنائي وبناتي وهم صغار. أتذكر كيف كنت أتعب لأجلهم، وكيف كنت أحلم أن أرى أحفادي حولي وأنا أستند إلى عصاي وأحمد الله على ما مضى.
ثم أكتشف أنني ما زلت أحلم، لكنني هذه المرة أحلم بأشياء كان ينبغي أن تكون واقعًا.
قلت له: أما زلت تحب أبناءك بعد كل ما حدث؟
نظر إليّ طويلًا، ثم قال والدمعة تلمع في عينيه:
يا بني… وهل يستطيع الأب أن ينزع أبناءه من قلبه كما ينزع ثوبًا قديمًا؟
لقد آذوني وأوجعوني وهجروني، لكنني لم أستطع أن أدعو عليهم. كلما اشتد بي الغضب تذكرت أنهم أبنائي، وكلما هممت بالدعاء عليهم سبقني قلبي إلى الصمت.
أنا لا أريد لهم الشر، وإنما أتمنى أن يدركوا يومًا أن أباهم لم يكن عدوًا لهم، وأن خلافاتهم معه لا ينبغي أن تنسيهم حقه ومكانته.
ثم مسح دمعةً أفلتت من عينه، وأضاف:
لكنني تعبت يا بني… تعبت من العتاب، ومن انتظار سؤالٍ صادق، ومن محاولة فهم كيف انتهت بي الحياة إلى هذا المكان.
قلت له: وما الذي يدور في رأسك حين تختلي بنفسك؟
قال:
تبدأ محكمةٌ لا تنام.
أجلس متهمًا أمام نفسي، وأسألها: أين أخطأت يا عزمي؟ هل أخطأت حين وثقت؟ هل قصّرت في حق أبنائي؟ هل كان ينبغي أن أحمي نفسي أكثر؟
أكون القاضي والمتهم والمحامي والشاهد، وفي نهاية الجلسة لا أصل إلى شيء.
أحيانًا ألوم نفسي لأنني وثقت، ثم أعود فأقول: وهل كان الحب جريمة؟ وهل كان من الخطأ أن أطمئن إلى رفيقة عمري وأبنائي؟
ثم أصمت… وأترك الأسئلة تأكل ما بقي من راحتي.
قبل أن أغادره، سألته سؤالًا أخيرًا:
ماذا تقول لمن ظلمك يا عم عزمي؟
أطرق رأسه، ثم رفعه ببطء وقال:
لا أريد أن أفضح أحدًا، ولا أن أزرع الكراهية في قلب أحد. لكنني أتمنى أن يفهم كل إنسان أن للوالدين قلبًا يتعب، وأن الأب الذي يبدو قويًا قد يبكي وحده، وأن الشيخ الذي لا يطلب شيئًا قد يكون في أمسّ الحاجة إلى كلمةٍ طيبة.
أما الذين آذوني فأترك أمري وأمرهم إلى الله. هو يعلم ما خفي من الحكاية، ويعلم كم ليلةً نمت فيها مهمومًا، وكم دمعةً أخفيتها عن الناس.
ثم قال عبارته الأخيرة وكأنها خلاصة عمرٍ كامل:
أنا لم أعد أنا يا بني… مات شيءٌ في داخلي وأنا ما زلت على قيد الحياة. لم تعد تكسرني الغيبة كما كانت، ولم تعد تغريني الوعود، فقد أرهقني الانتظار حتى أصبحت أخاف أن أفرح بشيءٍ ثم أفقده.
حسبي الله ونعم الوكيل.
غادرتُ العم عزمي، لكنني لم أغادر حكايته.
ظل صوته يرافقني، وظلت صورته عالقةً في ذهني؛ رجلٌ أفنى عمره في بناء بيتٍ لأسرته، ثم انتهى به المطاف يبحث عن الأمان بعيدًا عنه.
لم يكن العم عزمي بحاجةٍ إلى منزلٍ جديد بقدر حاجته إلى قلبٍ يشعره أنه ما زال أبًا له مكانته، ولم يكن بحاجةٍ إلى ثروةٍ تعوّض ما فقد بقدر حاجته إلى جبرٍ يمسح شيئًا من وجعه.
خرجتُ من لقائنا بسؤالٍ يؤلمني:
كم أبًا يعيش بيننا اليوم وقد بنى لأبنائه مستقبلًا، لكنه لم يجد بينهم مكانًا آمنًا لشيخوخته؟
وكم من أبٍ يبتسم أمام الناس، ثم يعود إلى غرفته ليبكي بصمتٍ لا يسمعه إلا الله؟
اللهم اجبر قلب كل أبٍ أثقله العقوق، وأصلح أبناءه، وردّ القلوب إلى البر والرحمة، ولا تجعلنا ممن يعرفون قيمة آبائهم بعد فوات الأوان.



