الحِلم السعودي… لقد بلغ السيل الزُّبى

قراءة سياسية في تصعيد الحوثيين باليمن والرد السعودي دفاعاً عن الوطن والسيادة

بقلم: سعود حماد العنزي

لم تعد الأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ولا سيما التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن والاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، مجرد فصولٍ جديدة من أزمةٍ إقليمية ممتدة، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمعادلة الأمن والسيادة، وحدود الصبر، وقدرة الدبلوماسية على احتواء التهديدات حين تتحول من التصريحات إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لقد اختارت المملكة العربية السعودية، خلال مراحل متعددة من الأزمة اليمنية، تغليب الحلول السياسية، وإعطاء الحوار فرصته، والعمل على دعم الاستقرار وتجنيب الشعب اليمني مزيداً من المعاناة. غير أن تطورات الأيام الأخيرة، وما شهدته من اعتداءاتٍ استهدفت منشآتٍ مدنية داخل المملكة، أعادت إلى الواجهة حقيقةً لا يجوز تجاهلها، وهي أن السلام لا يمكن أن يستمر من طرفٍ واحد، وأن ضبط النفس لا يعني التنازل عن الحق المشروع في الدفاع عن الوطن.

لقد بلغ السيل الزُّبى، وما عاد مقبولاً أن يُفسَّر الحِلم السعودي ضعفاً، أو أن يُنظر إلى الصبر باعتباره عجزاً، أو أن تتحول الحكمة إلى فرصةٍ مفتوحة أمام تكرار الاعتداءات.

ففي السادس والسابع من أكتوبر 2026، تعرض مطارا أبها الدولي والملك خالد الدولي بالرياض لهجماتٍ أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عنها، وأسفرت، بحسب ما أعلنته السلطات السعودية، عن وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة ستةٍ وثلاثين آخرين.

ولم تكن هذه الحوادث مجرد تطورٍ عسكري في صراعٍ إقليمي، بل اعتداءاتٍ طالت منشآتٍ مدنية يرتادها المسافرون، وهددت أرواح الأبرياء، وأكدت أن مخاطر الأزمة اليمنية لم تعد محصورةً داخل حدود اليمن.

إن استهداف المطارات المدنية لا يمكن تبريره بالخلافات السياسية، ولا يمكن اعتباره وسيلةً مشروعة لفرض المواقف؛ فالمدنيون ليسوا طرفاً في النزاعات العسكرية، وحمايتهم التزامٌ تفرضه القوانين والأعراف الدولية.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كان المطلوب من المملكة أن تظل صامتةً أمام الاعتداءات على أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، أم أن واجب الدولة الأول هو حماية أمنها وسيادتها وسلامة من يعيش على أرضها؟

لقد جاء الرد السعودي في إطار عمليات تحالف دعم الشرعية في اليمن، حيث أعلنت قيادة التحالف تنفيذ عمليات عسكرية استهدفت 82 هدفاً عسكرياً تابعاً للحوثيين في محافظاتٍ يمنية عدة، شملت مواقع لتخزين الصواريخ والأسلحة ومراكز القيادة والسيطرة والاتصالات.

وأكد المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي أن الاعتداءات على المدنيين والأعيان المدنية لن تمر دون مساءلة ورد، وأن العمليات تهدف إلى ردع التهديدات وحماية أمن المملكة وسيادتها.

وهذا التطور، في قراءتي السياسية، يمثل انتقالاً من مرحلة احتواء التهديدات إلى مرحلةٍ تتسع فيها الإجراءات العسكرية الرادعة، في ظل استمرار المخاطر التي تواجه المملكة والمنطقة.

لكن أهمية الرد لا تقاس بعدد الأهداف العسكرية التي جرى استهدافها فحسب، وإنما بمدى قدرته على الحد من الاعتداءات، وحماية المدنيين، ومنع تكرار الهجمات، دون الانزلاق إلى حربٍ مفتوحة تزيد معاناة الشعب اليمني وتزعزع أمن المنطقة.

إن السعودية حين تدافع عن نفسها لا تحتاج إلى تبرير حقها في حماية أراضيها وشعبها؛ فهذا حقٌ سيادي أصيل، تقرّه المواثيق الدولية، وتفرضه مسؤولية الدولة تجاه أمنها الوطني.

وفي المقابل، فإن ما يجري داخل اليمن يكشف عن أزمةٍ أكثر تعقيداً من مجرد مواجهةٍ عسكرية بين طرفين؛ فهناك دولةٌ تسعى حكومتها المعترف بها دولياً إلى استعادة مؤسساتها، وجماعة الحوثي التي تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد، وشعبٌ يمني دفع أثماناً إنسانية واقتصادية واجتماعية باهظة نتيجة سنوات الصراع.

وقد شهدت الأيام الأخيرة إعلان القوات الحكومية اليمنية بدء عملية «فجر اليمن»، بالتزامن مع مواجهاتٍ في الساحل الغربي ومحافظة تعز والمناطق القريبة من مضيق باب المندب، وسط بياناتٍ متعارضة من الأطراف المتحاربة بشأن السيطرة الميدانية.

وتكمن خطورة هذه التطورات في أن اليمن لا يمثل ساحة صراعٍ داخلي فحسب، بل يقع على واحدٍ من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يرتبط أمن باب المندب وجنوب البحر الأحمر بحركة الملاحة والتجارة الدولية وأمن دول المنطقة.

ومن هنا، فإن استمرار التهديدات الحوثية للملاحة البحرية وللأراضي السعودية يجعل الأزمة ذات أبعادٍ تتجاوز الحدود اليمنية، ويضع مسؤوليةً إضافية على المجتمع الدولي في حماية الممرات البحرية ومنع الاعتداءات على المدنيين.

وفي الرابع من أكتوبر 2026، أكدت قيادة القوات المشتركة للتحالف استمرار دعمها للحكومة اليمنية والقوات المسلحة اليمنية، وأشارت في بيانها إلى محاولات استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة، وإلى الاعتداءات التي طالت عدداً من المدن السعودية.

إن الحديث عن مكة المكرمة والمدينة المنورة ليس حديثاً عن مدينتين عاديتين، بل عن أقدس بقاع المسلمين، وعن مسؤوليةٍ عظيمة تتشرف المملكة العربية السعودية بحملها في حماية الحرمين الشريفين وخدمة قاصديهما.

ولهذا، فإن أي محاولة لتهديد أمن المدينتين المقدستين تمثل تصعيداً بالغ الخطورة، يستوجب الإدانة والردع، مع الالتزام بحماية المدنيين وعدم تعريضهم لمخاطر النزاع.

ولم تتوقف التطورات عند حدود الرد العسكري، بل امتدت إلى المسار الدفاعي المشترك؛ إذ شهدت الرياض اجتماعاً طارئاً للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لحلف مكة الدفاعي، بمشاركة المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، جرى خلاله بحث التهديدات الأمنية وتعزيز الجاهزية والتعاون الدفاعي.

وتكشف هذه الخطوة عن أهمية بناء منظومة ردعٍ جماعي، تجمع بين القدرات العسكرية والتنسيق السياسي، وتعزز قدرة الدول المشاركة على مواجهة التهديدات وفق التزاماتها المشتركة.

ومن وجهة نظري، فإن الرسالة الأهم في هذه التطورات ليست أن المملكة اختارت الحرب بديلاً عن السلام، وإنما أنها تؤكد أن السلام لا يمكن أن يكون على حساب سيادتها، وأن الحوار لا يمنح أي طرفٍ حق الاعتداء على أراضيها.

لقد عرفت السياسة السعودية كيف تجمع بين الحكمة والحزم، وبين الدبلوماسية والقدرة الدفاعية، وبين الحرص على استقرار المنطقة والتمسك بحقوقها السيادية.

وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز – حفظهما الله – تواصل المملكة التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية بما يحفظ مصالحها الوطنية، ويعزز قدراتها الدفاعية، ويدعم استقرار المنطقة.

وهنا لا بد من الإشادة برجال القوات المسلحة السعودية، وقوات الدفاع الجوي، وجميع القطاعات العسكرية والأمنية، الذين يؤدون واجبهم في حماية الوطن وأجوائه وحدوده ومنشآته الحيوية.

إن هؤلاء الرجال يتحملون مسؤوليةً وطنية عظيمة، ويقفون في مواقع الدفاع عن أمن المملكة وسلامة سكانها، ويستحقون التقدير لما يبذلونه من جهودٍ في مواجهة التهديدات.

إن أمن الرياض وأبها وجازان ونجران وخميس مشيط والطائف وينبع، وسائر مدن المملكة ومحافظاتها، أمنٌ واحد لا يتجزأ، وأي اعتداء على جزءٍ من هذا الوطن يمثل تهديداً لأمنه الوطني بأكمله.

لكن الدفاع عن السعودية لا يعني العداء للشعب اليمني، ولا يجوز أن تتحول المواجهة مع جماعة الحوثي إلى خصومةٍ مع اليمن وأهله؛ فالشعب اليمني الشقيق هو الآخر ضحية سنواتٍ طويلة من النزاع والانقسام والنزوح والمعاناة.

إن المصلحة الحقيقية تكمن في أن ينعم اليمن بالأمن والاستقرار، وأن يستعيد مؤسساته، وأن يتوقف استخدام أراضيه منصةً لتهديد جيرانه والممرات البحرية، وأن تتوافر لشعبه فرص الحياة الكريمة بعيداً عن دوامة الحروب.

ومن هنا، فإن الحزم العسكري، مهما بلغت ضرورته في مواجهة الاعتداءات، ينبغي أن يبقى مرتبطاً بهدفٍ سياسي واضح، يتمثل في حماية السيادة وردع التهديدات، وتهيئة الظروف لحلٍ مستدام ينهي معاناة اليمنيين.

لقد بلغ السيل الزُّبى، ولكن الحزم الحقيقي لا يعني الاندفاع، والقوة لا تعني التخلي عن الحكمة، والدفاع عن الوطن لا يتعارض مع السعي إلى السلام.

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي طرفٍ يهدد المملكة هو سوء تقدير الموقف السعودي، والاعتقاد بأن حرصها على التهدئة يمثل استعداداً لقبول الاعتداءات المتكررة.

فثمة فرقٌ كبير بين دولةٍ تعجز عن حماية نفسها، ودولةٍ تمتلك أدوات الدفاع والردع وتختار استخدامها وفق حساباتٍ سيادية ومسؤولياتٍ وطنية.

وفي ختام هذه القراءة، فإن ما يجري في اليمن وما تشهده المملكة من تهديداتٍ واعتداءاتٍ يؤكد أن الأمن الوطني لا يحتمل المساومة، وأن حماية المدنيين والمنشآت والمقدسات مسؤوليةٌ لا يمكن التهاون فيها.

فالسعودية التي اختارت السلام لم تتخلَّ عن قوتها، والسعودية التي تحلّت بالحِلم لم تتنازل عن سيادتها، والسعودية التي دعت إلى الحوار لم تسقط حقها في الدفاع عن نفسها.

وستبقى حماية الوطن مسؤوليةً تتقدم على كل اعتبار، على أن يكون الحزم منضبطاً بالقانون، والردع موجهاً إلى مصادر التهديد، والسلام هدفاً لا يغيب عن الأفق.

فلا تختبروا صبر وطنٍ جعل الحِلم عنواناً لحكمته، والحزم ضماناً لسيادته، وحماية الإنسان والأرض والمقدسات أساساً لأمنه واستقراره.

لقد بلغ السيل الزُّبى… وأمن المملكة العربية السعودية وسيادتها ليسا مجالاً للاختبار أو المساومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى